مي شدياق.. فراشة أحرقها نور الحقيقة
مساحة حرة SEP 25, 2021

علّموننا منذ الصغر أن "إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب"، لكنهم نسوا أن الكلام حين يكون عن العظماء يصبح كآيات الكتب المقدسة، لا يمكن كتمانه بل نشره والتبشير به. من هنا اخترت الكلام اليوم لا السكوت، الكلام عن أيقونة التضحية، عن مي شدياق التي تعانق الصليب كلّ يوم وتحمل عليه خطيئة الحرية التي لم تختر سواها يومًا؛ عن التي طعنوا جنبها الأيسر بحربة متفجّرة سلبتها بعض أطرافها، وكلّلوا جبينها بعشرات العمليات الموجعة، وما زالوا يدقّون مسامير التنمّر في جسدها المتألم بلا توقّف.
مي شدياق التي أنقذها القديس شربل، تقول معه في كل لحظة: "ضعفك لتتغلب عليه مش لتتحجج فيه". فيضحي ضعفها قوة تحملها إلى العمل الوزاري النظيف والعمل السياسي المشرّف، ونخوة تدفعها إلى العمل الإنساني المقاوم في بيروت المجروحة، مؤكدةً أن النزول إلى الأرض لمساندة الأهل لا يحتاج لإذن أحد. 
في الذكرى السادسة عشر لمحاولة اغتيالها، سألنا مي شدياق إذا ما استطاعت معاناة وأوجاع السنوات المنصرمة المصحوبة بالتهديد والوعيد إسكاتها، فكان ردّها الثابت "اذا كانت تهديداتهم دائمة، فمواقفي الوطنية والسيادية والحرّة كما تصريحاتي، أبدية". مي الإنسانة والصحافية والسياسية تشبه الأرزة، وأعداؤها كحشرات صغيرة قادرة على ضرب بضعة أغصان؛ لكنها أعجز من قلع أرزة تمتدّ جذورها إلى قلب مار شربل. فصوته، كما تقول شدياق، وهو يخاطبها قائلًا: "قومي يا بنتي"، أعادها إلى الحياة ومنحها مع الحياة الكثير من القوة والصبر والسموّ بالذات. كما دفعها إلى "الانتصار على تجارب أرادها البعض أن تكون سوداوية". فاذا بشهيدة الحق الحيّة تزداد إصراراً والتزامًا للوصول إلى هدفها المنشود، وهو "حمل الكلمة الحرة في كلّ جانب من جوانب الحياة".
يقول أحد الأدباء:"لا يهم أن نقول كلّ ما نؤمن به، المهم أن نؤمن بكل ما نقوله". وقد طبّقت "بطلة حرية الصحافة في العالم" كما صنفها معهد الصحافة الدولي، هذه المقولة. فما تحدثت عن الشجاعة إلا وكانت شديدة في كل مواقفها، ولا ذكرت التضحية إلا وقد سكبت نصف جسدها على مذبح الوطن. ولا طالبت بنظافة الكف ومكافحة الفساد إلا وكانت وزيرة أكثر من النحلة اجتهادًا.
ليت صحافيي اليوم يتشبّهون برائدة الصحافة ويحترمون هذه المهنة-الرسالة بقدر ما احترمتها. وهي لا تكفّ تناشد أهل الإعلام "للمحافظة على هدف الصحافة الحقيقي الذي يقضي بمتابعة شؤون الشعب وايعصال صوت المظلومين والمستضعفين". كما تؤكد على ضرورة بناء الثقة بين الشعب والإعلاميين. وتختم قائلة: "لا تقبلوا أن تكونوا أداة بيد أصحاب السلطة... أظهِروا قضايا المواطنين".
أما فيما يتعلق بجرحى انفجار المرفأ، الذين اختبروا وقوف شدياق إلى جانبهم، لاسيما من خلال عملها الدؤوب عبر جمعية “Ground 0”  التي وضعت كل إمكاناتها في خدمة بيروت وأهلها المنكوبين، فقد تحدّثت عنهم بقلبها قبل شفتيها، إذ تعرف معنى الألم والإصابات البليغة والعمليات الجراحية وفقدان الأعضاء. وأصرّت ألا يستسلموا رغم صعوبة الظرف، وألا يسمحوا للاحباط بتملّكهم، بل ينبغي عليهم الاستمرار بالمقاومة، لأجلهم ولأجل أحبائهم، حتى يصلوا للحقيقة التي تنصفهم وتنصف الشهداء الأبطال الذين سقطوا في ذلك اليوم المشؤوم.
في الختام، استذكر ما قلتِه يومًا للإعلامية كابي لطيف: "كنت أسَمّى فراشة التلفزيون في لبنان، فجأة أجد نفسي مشهوة". أما نحن فنقول لك: الفراشات لا تعرف الوان أجنحتها ولكن أعين البشر تعرف مدى روعتها. الفراشات هي التي كسرت الجمود وخرجت من شرنقة الجهل والتعصب. الفراشات وحدها التي تحترق لأنها وحدها التي تعشق النور لدرجة الذوبان به.

مساحة حرة SEP 25, 2021
إستطلاع
مجلة آفاق الشباب
عدد استثنائي
إقرأ المزيد