أبي.... حبيبي!
مساحة حرة JUN 21, 2019

كنت طفلةً في حفاف الجرد العالي العتيق، أرسم وجه الفراشات على زهر الطّريق، وأطير... لا الأرض تحملني ولا الآفاق ولا صمت البخور. ألعب بالشّمس، وأنادي القمر!

هات يدك يا ابنتي! نفتح أبواب المكان، لا صقيع، لا فراغ، لا ولا مرّ الزّمان! هات يدك... أنا هنا، وجهي صلاةٌ، والحبّ على شفتاي أغنيةٌ!

يدك يا أبي ما تركتني يومًا. أحببتك، وأحببت معك الحياة ولولاك ما أحببتها! وأنت يا من أحببتني عندما رميت عليّ نظرةَ حنانٍ في سريري لأوّل مرّة! وأنا أحببتك وأحببت كلّ شيء لأجلك!

يدك المشقّقة يا أبي علّمتني، العرق المستوي على جبينك أطعمني، استيقاذك من الصّباح الباكر كلّل نجاحي، وعودتك في آخر الليل لاحتضاني تملأني فرحًا وشجونًا!

جهدك يا أبي أثمر زهرًا ووردًا لعينينا، وبكلّ ذرّة تعبٍ وشقاء رسمت مستقبلي! لو تعلم كم من الفخر ينتابني لأنّ اسمك يتوسّط اسميّ! لو تعلم كم أرفع رأسي شموخًا وحبًّا لأنّك أنت من بدموعه ربّاني!

أبي أنت حبّ ابنتك وفرحها! ومعك شعرت بلذّة الصّباح وقوّة العمل! إنّك سندي وجناحَي وعينيّ ويديّ، ومع كلّ مغيب أنتظر تلك القبلة التي أسرقها لأرسمها على جبيني وأحفرها في عمق طريقي ليتكلّل بالرّضى والحنان.

فحين أتكلّم عن عمق الحبّ، حين أهمس في أذن الزّمن وحين أصرخ متنقّلةً بين سطوره، يرقص القدر لأنّك أنت أبي. كلمةٌ تلامس شفتاي قائلةً "أعشق أبي، ثمّ أبي، ثمّ أبي!"

ولكلّ أبٍ يمسك يد الرّب من السّماء، ويعيش الحياة الأبديّة وهو ينظر من العلياء ويصلّي، ينير الطّريق ويحرس أولاده من حضن الله! من جوف قلوبنا نضيء شموع الفرح والحزن والاشتياق، وتعبق رائحة البخور ليسمعوا بعيد الأب بأنّهم ما زالوا هنا. الغائبون حاضرون في فكرنا وقلوبنا! يا أغلى الوجود، ما زلنا كلّما ضاقت بنا الدّنيا نظرنا إلى السّماء، إلى ما فوق الغيوم والفكر ومن دون أن نتكلّم... نذرف دمعة ألمٍ ونمضي!

جدّي، أبي الثّاني، كلّ عيدٍ وأنت الصّلاة في مسبحتي، والبخور الذي ينير دربي!

انشالله يكون الدّهر لنا، لا علينا، لتفرح قلوبنا وتهتف معًا وبصوت واحدٍ: "أبي... حبيبي!"

مساحة حرة JUN 21, 2019
إستطلاع
مجلة آفاق الشباب
عدد استثنائي
إقرأ المزيد