في ذكرى المصالحة التَّاريخيَّة، كنعان لمجلة آفاق الشَّباب: "جعجع صلب والرياشي صادق"
نقلاً عن JAN 18, 2017
هو ابن العائلة المتنية غير الاقطاعية، هو الناجح في الشأن العام وفي بناء العلاقات الاجتماعية، هو النائب إبراهيم كنعان الذي وصل الى البرلمان اللبناني بجدارته وبدعم التيار الوطني الحر له، وحاز على النسبة الأعلى من الأصوات في المتن حتى بات الرقم الصعب. ولم يكتف بذلك، هو محب للصعوبات وحلّ المشاكل، خرق كل التوقعات واستطاع مع صديق الأمس وأخ اليوم ملحم رياشي أن يجمع قطبين سياسيين كبيرين لينهيا تباعد سنوات طويلة بينهما... بداياته السياسية، علاقة الشأن العام والسياسة بالرياضة، والمصالحة القواتية - العونية، محاور تطرقنا إليها مع أحد عرّابي المصالحة المسيحية النائب إبراهيم كنعان.

في بداية حديثه، أشار كنعان الى أن السياسة لم تكن تستهويه في مرحلة الشباب بل العمل العام أي القضايا الاجتماعية والإنسانية والوطنية، حتى بدء حرب التحرير ووصول رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الى بعبدا آنذاك، إذ رأى في عون وحركته نموذج الدولة والجيش والسيادة. وأوضح أنّ في تلك الفترة لم يكن "التيار الوطني الحر" نشأ فعليّاً ولكن ظهرت في حينها حالة وطنية بدأت تنمو وتكبر حتى حوادث 13 تشرين الثاني.

كنعان غادر بعدها الى لندن، إلا أنه بقي مهتمّاً بالوضع اللبناني، خصوصاً في ظل الاحتلال السوري والاعتقالات والانتهاكات، ما دفع اللبنانيين هناك الى إنشاء "لوبي" يعمل لأجل لبنان واستطاع تحقيق نشاطات كثيرة. ولفت الى أنه تولى أموراً لا علاقة لها بالأحزاب اللبنانية، مركّزاً على تحسين نفسه والنجاح في مهنته، حتى عودته الى لبنان.

المسيحيون أساس لبنان والمصالحة فشلت حتى اللقاء مع أخي رياشي

وكشف كنعان في حديثه أن المسيحية بقيت هاجساً لديه، موضحاً: "هاجسي المسيحية ليس بالمعنى الطائفي بل بمعنى أن المسيحيين أساس لبنان، خصوصاً في الانفتاح والتعددية والتسامح. هذه المبادئ نتعلمها في ديانتنا المسيحية". ولفت الى أن الشرخ المسيحي والمشاكل التي تغلبت على المسيحيين وأضعفتهم كانت أيضاً هاجساً، لذا حاول العمل على حلّها، إلا أنه في ذلك الوقت لم يكن هناك نقاط تلاق لتسهيل الأمر فانتهت كل المحاولات بالفشل، حتى اللقاء مع "أخينا" الرئيس السابق لجهاز الإعلام والتواصل في القوات ملحم رياشي.. لأنهما كانا متوافقين، بحسب كنعان، على الفكرة ذاتها.
وتوقف كنعان عند الإقطاع السياسي وانعكاسه على فوزه كنائب عن المتن بأعلى نسبة من الأصوات، مشدداً على أن الإقطاع والمحاصصة الطائفية ليسا الأساس في نظرته الى السياسة، ومعتبراً أنها انعكست إيجاباً عليه على الرغم من أنه لم يكن النموذج المرغوب فيه لدى بعض العائلات الإقطاعية في المتن.
وتابع: "في السياسة مدرستان، الأولى تركز على العلاقات الشخصية والعائلية والتقليدية وتَعتبرُ أن الفرد هو محور العمل السياسي، أما الثانية فتؤمن بعمل الجماعة والحزب وترى أن العمل الجماعي ينتج نتيجة أفعل وأفضل من العمل الفردي، وأنا ابن المدرسة الثانية".

"المقعد النيابي ليس مركزاً للسلطة أو الوجاهة أو الشهرة أو الحضور، بل هو مسؤولية تبدأ بالرغبة الحقيقية لتحملها وتحمل مسؤولية بشر انتخبته وربطت نفسها به"، هكذا وصف كنعان صفات النائب اللبناني الحقيقي، مضيفاً: "على كل مرشح أن يسأل نفسه هذه الاسئلة، هل سيكون صوتَ من انتخبه؟ هل سيعمل ضمن سلسلة من المراقبة والمتابعة والتدقيق؟ هل سيكون على قدر المسؤولية التي ألقيت على عاتقه؟".

للتمييز بين الإنسان والسياسي

وعن السرّ الذي يجمعه بالرياضة، تحدث كنعان عن مستويات ثلاثة تدفعه للاهتمام بالرياضة، مشيراً الى أنه يحب ممارسة معظم أنواع الرياضة، كما يرى أن لها علاقة مهمة تربطها بالشأن العام، إذ تساهم في نشر الروح الرياضية لبناء مجتمع سليم وصحي. ورأى أنها يمكن أن تكون مهنة لا هواية كما هي في لبنان، من خلال المهنية الرياضية وإنشاء أكاديمية رياضية.

كنعان شدد على ضرورة التمييز بين "الانسان والسياسي" من جهة، وبين "تدخل السياسة في الرياضة وتدخل الانسان السياسي بالرياضة" من جهة أخرى، موضحاً: "السياسي ليس مجرداً من  حقوقه المدنية وبالتالي يحق له التعاطي كإنسان ببعض الأمور، بل أنا مع تدخل الرجل السياسي الإنسان أو كل رجل مقتدر لدعم الرياضة ومساعدة النوادي المهددة بالخروج من الخارطة الرياضية، إلا أنني أرفض تدخل السياسة في الرياضة لأنها تذبحها".

وكان لـ"وزارة المال" حصة في حديثنا مع النائب كنعان الذي فضّل المقعد النيابي على الحقائب الوزارية لأنه ابن أرض محب للمعارضة وليس رجل سلطة، خصوصاً بعد الثقة التي مُنحت له في الانتخابات السابقة والتي لا تزال موجودة وفق استطلاعات الرأي. ولكن يرى كنعان أن "وزارة المال" هي الأقرب له، موضحاً أنها تساعده لاستكمال مسيرة الإصلاح  ومحاربة الفساد التي نفذها في لجنة المال والموازنة حتى تحولت من لجنة غير مسموع بها الى لجنة باتت الحدث.  

الزيارة الأولى الى جعجع

لا يمكن مقابلة النائب إبراهيم كنعان من دون الحديث عن المسيحيين عموماً، والمصالحة المسيحية التاريخية خصوصاً، لما للمسيحيين أهمية بالنسبة له. يقول كنعان: "أؤمن بدور المسيحيين منذ نشأة لبنان حتى اليوم. من دون المسيحيين لا وجود للبنان ولا للمجتمع اللبناني. للأسف، كنا نعيَّر كمسيحيين بسبب التباعد الذي كان سائداً قبل المصالحة المسيحية، أما اليوم فلم يعد كلامهم صالحاً، خصوصاً أن وحدتنا استراتيجية وليست إنتخابية، وسنثبت ذلك مع الأيام، وسننقل الشعلة للأجيال المقبلة".

وأوضح أن التقارب مع القوات كانت فكرةً تدور دائماً في ذهنه، مستذكراً الجلسة الاولى مع رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، فقال: "قبل الزيارة الاولى، فكرت بهدية لجعجع وأردتها أن تحمل رسالة معينة، من هنا قررت اختيار كتاب للبطريرك الياس الحويك الذي يُظهِر قوة الموارنة والثقة المعطاة لهم، إذ مثَّل البطريرك الحويك الحكومة اللبنانية بمسلميها ومسيحييها عام 1920. ووجدت هذا الكتاب مناسباً بعدما ضعفتْ هذه القدرة المسيحية التي لم تعد تمثل ربع الحكومة اليوم".

وتابع كنعان: "قدّمت الكتاب الى جعجع وأملت، في جملة أضفتها، أن نستطيع بوحدتنا استرداد بعض من هذا الدور الكبير الذي لعبه المسيحيون، وسرعان ما سألني ذاك الرجل الذكي عن سبب اختيار هذا الكتاب، فأجبته أنه يلخص موضوعنا، فلننسَ المواضيع الخارجية، لأننا إذا اتفقنا عليها أو اختلفنا لن نحدث أي تغيير على صعيد النتائج، أما إذا اتفقنا في الأمور الداخلية فسننتج كثيراً". 

هكذا لخّص كنعان الزيارة الاولى الى حكيم معراب، مضيفاً أنّ بعد جلسات كثيرة استطاع الفريقان الاتفاق رغم كل العقبات التي حاولت إفشال هذه المصالحة. وعبّر عن مفاجئته بهذا التعطش الذي ظهر عند غالبية المناصرين لدى الطرفين، متحدثاً عن تشكيك البعض في نوايا "رياشي – كنعان" وحرب التخوين التي تعرضا لها.

وشدد كنعان على أنه مؤمن بالقضايا المستحيلة ولا يحب الأمور السهلة، معتبراً أنه رجل يرغب بالمواجهة من أجل تحقيق الوحدة، وبالتالي سيقف في وجه كل من يستغل التعددية اللبنانية والخلافات بين الفرقاء وكل من يحاول الاعتداء على وحدة التيار والقوات. وأكد ذلك بالقول: "الوحدة تتطلب مرونة لكنها تتطلب أيضاً دفاعاً شرساً، ونحن جاهزون لهذا الدفاع". 

وفي نهاية اللقاء، وصف كنعان الدكتور جعجع بالرجل الصلب والمخطط والمؤمن، متوجهاً له بالقول: "لدينا طريق طويل سويّاً، مشوارنا يحتاج الى الجميع والى الروح التي أنتجت هذا الحدث التاريخي". وبـ"المبشر والصادق والذكي" عرّف كنعان عن ملحم الرياشي ليوصيه بعدها بـ"أخيه"، ويقول له: "أوعى خيّك".
أما لطلاب القوات، فأعرب كنعان عن محبته لهم وحمّلهم، كما شباب التيار الوطني الحر، مسؤولية المجتمع المسيحي، قائلاً: ""أوعى خيّك" مسؤوليتكم، وانتبهوا على  وحدتكم". وختم بدعوة اللبنانيين الى الاتحاد كما اتحد "حزب القوات" و"التيار الوطني الحر". 
نقلاً عن JAN 18, 2017
إستطلاع
مجلة آفاق الشباب
عدد استثنائي
إقرأ المزيد