السلطة الوقحة
مساحة حرة MAY 31, 2021

يعيش لبنان شبه عزلة دولية، فكافة الزيارات الرسمية تصبّ في اتجاهين لا ثالث لهما: تشكيل حكومة اختصاصيين ومساعدة "الشعب اللبناني"، وأشدّد على عبارة "الشعب اللبناني" لأن حكومات العالم لم يعد لديها الثقة لتقديم أي دعم للطبقة الحاكمة، إنما فقط بعض قطرات ماء لأبناء هذا الوطن، لإبقائهم على قيد الحياة. أما داخليًا، فالانقسامات أصبحت "أخطبوطية"، إذ تمتدّ على كل الاتجاهات والمحاور، وحالة التدمير الذاتي تطوّرت لدى البعض لتصير "أنا أو لا أحد". أصبحنا مجموعة أفراد تحاول يوميًا أن تبلغ نهاية اليوم من دون أن تموت برصاصة طائشة من سلاح غير شرعيّ، أو على مدخل مستشفى لم تستقبله لانعدام الأسرّة، أو في غرفة الجلوس أمام التلفاز بانفجار لم يوفّر الناس الهانئين في بيوتهم، أو ربما على كرسي بالقرب من آلة الأوكسيجين التي توقف عملها لأن "ما في كهربا".
 كيف وصل لبنان إلى ما وصل إليه؟ وما الذي حوّله من "سويسرا الشرق" إلى "فنزويلا الشرق"، ومن مصدّر الحرف إلى العالم إلى مصدّر المخدرات والمقاتلين، ومن "قنبلة السياح" إلى "قنبلة الفساد"؟ ربما نجد الإجابات من خلال البحث في ماض قريب عن سلطة مجرمة وفاسدة. أولئك الذين يمتلكون أكثرية نيابية، ويحتلّون أهم الوزارات السيادية في عدّة حكومات متعاقبة، مع مجموعة واسعة من وظائف الدرجة الأولى، ماذا فعلوا إذًا؟ جعلوا من وزارة الخارجية ممرًا لتسويق مسؤوليهم في الخارج، ومنبرًا للدفاع عن نظام الأسد في وجه العرب والعالم، معرّضين العلاقات اللبنانية العربية لمخاطر عديدة، وغير مهتمين للنتائج التي قد تتأتّى عن هذا الدفاع المستميت عن عدوّ الأمس-صديق اليوم.
أمّا المعنيّون فساهموا في تشريع المعابر الشرعية وغير الشرعية وفتحها أمام الحليف المهرِّب الذي يستكمل عملية امتصاص دماء اللبنانيين وضخّها في العروق السورية والإيرانية. والوزارة الأعظم التي باتت تُعرف بوزارة "ما خلونا" فهي وزارة الطاقة، وفيها أهدونا حلم 24/24 ساعة من الكهرباء، فتبيّن أنها 24 ساعة من الكذب والرياء. ويا ليته مجرّد كذب عادي، إنما الكذب الذي كلّف الشعب اللبناني 40 مليار دولار تقريبًا على مرّ السنوات، فتبيّن لنا أنهم يشبهون سدودهم ذات القعر المتشقّق، إذ مهما أغدقت السماء عليهم من الخيرات والأمطار، يبتلعونها من دون أي إفادة أو مقابل.
لم يكتفوا بهذا القدر، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك، حين استرسلوا بتخوين كل من عارضهم حتى يوم نزل الشعب بكل فئاته هاتفًا بأسمائهم. فادّعوا أنهم مع مطالب الشعب بالإصلاح، وأنهم أول من حمل راية الإصلاح وتشبّثوا بمقاعدهم أكثر فأكثر، وكأنهم هم من دخل "جنّة السلطة" على أكفّ الثوار، بينما هم بالحقيقة لبّ الفساد ورواده.
لم يواجه لبنان خطر الزوال بطريقة تشبه ما يتعرّض له اليوم في ظلّ تحالف الفساد والسلاح، وعلى الرغم محاولات ما تبقى من شرفاء في هذا الوطن، ودعم الشعب الذي ما زال يؤمن بلبنان "الجنة"، إلا أنّ طيف جهنّم يخيّم فوق ربوع الوطن. وبدلًا من التراجع عن الخطأ وتسليم البلد لمن يستطيع حمله نحو القيامة عبر خطوات بسيطة، تبدأ بانتخابات نيابية مبكرة تأتي بسلطة جديدة تعبّر عن رأي الناس بعد ثورة تشرين، يليها انتخاب رئيس جمهورية تكون أبوّته شاملة على امتداد الوطن ولا تقتصر على فئة معيّنة أو تيار معيّن، ثمّ تتشكّل حكومة من الاختصاصيين غير الحزبيين القادرين على العمل والتواصل مع الداخل والخارج من دون قيود ولا شروط ولا انتماءات إقليمية أو دولية سوى الانتماء للبنان.
لبنان اليوم في غرفة العناية؛ تمتصّ دمائه من جهة "الأعداء" ومن خلفهم، ومن جهة أخرى "الأشقّاء" ومن خلفهم، وتخنق أنفاسه الأطراف الداخلية ذات الأطماع الشخصية. لذلك نرى أن من واجبنا أن نذكّر هؤلاء بأن إذا لم يبقَ لبنان، فستنعدم كل جمهورية لتكونوا فيها رؤساء.
 

مساحة حرة MAY 31, 2021
إستطلاع
مجلة آفاق الشباب
عدد استثنائي
إقرأ المزيد