إغتيال جمهورية
نقلاً عن FEB 04, 2016
روبير غانم رئيساً للجمهورية، عباس هاشم رئيساً لمجلس النواب وعبد الرحيم مراد رئيساً للحكومة، تركيبة نظرية منطقية للفسيفساء اللبنانية، إذ أن كل شخصية مذكورة تراعي التوزيع الطائفي المتعارف عليه. بالرغم من المنطقية النظرية لهذه التركيبة الافتراضية فإن واقعيتنا السياسية وتجربتنا اللبنانية تحتم علينا تصنيفها في خانة "الوهم الافتراضي"، من هنا وامام هذه النتيجة لا بد من الغوص في تفاصيل، آلية وهدفية اختيار المناصب في لبنان.
 
إن الهدف من المحكمة والمحاكمة والقانون ليس بجدلية وجودهم بالشكل من عدمه بل الهدف الحقيقي هو الغاية من وجودهم والمتمثل بإحقاق العدل وردع المجرم. إن الهدف من الانتخابات ليس الاجراء العملي بحد ذاته او النتيجة منه بل هو حقيقة ايصال صوت الشعب من عدمه. من هنا في ما خص الانتخابات الرئاسية اللبنانية الحالية لا بد من التوقف عند قول الكاتب الاميركي الشهير جوردانو برونو: "الحقيقة لا تتغير لأن غالبية البشر تؤمن بها أو لا". إن الجدلية في القول اعلاه تقع على مفهومين "الحقيقة" و"الغالبية". لا يخفى على أحد بأن موضوع الغالبية والاقلية هو موضوع متشعب يحمل العديد من الاجتهادات والتأويلات، لكن ما لا يمكن إنكاره بأن "غالبية واعية" تختلف عن "غالبية تابعة" والاعداد لا يمكن ان تكون معياراً الا اذا تشكلت من افراد يتمتع كل منها بالوعي، الحكمة والاقتناع دون تداخل مع مصلحة شخصية او تأثره بمفهوم "الجموع".
 
إن اسوء ما يمكن ان نعاني منه هو تأثر الفرد بمنطق "الجموع" من اجل الحفاظ على موقعه ضارباً بعرض الحائط الاهداف الاستراتيجية التي يجب ان يتم تحقيقها من خلال الاستحقاق الرئاسي، إن من حيث الشكل او شخص الرئيس والتي يسعى بعض الافرقاء لتحصيلها.
 
لا يخفى على أحد بأن المصالحة المسيحية في معراب قد خلطت اوراق المشهدية السياسية اللبنانية، ناسفةً امكانية اللعب على تناقضات الفريقين السياسيين من اجل فرملة تطوير الحياة السياسية وتغيير واقع كرسه النظام السوري خلال زمن الوصاية. إن الاستحقاق الرئاسي اللبناني يتخطى حدود إطار العملية الانتخابية التي لا بد أن تنتج رئيساً في نهاية المطاف بغض النظر عن هويته، تمثيله والطريقة التي اوصلته لسدة الرئاسة. لبنان يجمع بتركيبته فرادة التنوع، من هنا الحرص على المحافظة على هذه الفرادة في شرق يواجه إعصارات النظرات الشمولية التي تقضي على التاريخ،الثقافة والتنوع. إن وجود رئيس جمهورية مسيحي هي قيمة مضافة تتخطى إطار الشكل لتلامس المضمون من خلال شخصه وطريقة إختياره، لذلك لا بد من إنتخاب شخصية تعكس وضوحاً الشارع المسيحي، لا ان يكون مسقطاً على اللبنانيين وتحويل هدفية الاستحقاق الرئاسي سداً للفراغ عوضاً ان يكون تقوية الدولة من خلال انتخاب رئيسٍ لها. من هذا المنطلق لا يمكن إختيار رئيس للجمهورية اللبنانية لا يراعي المشهدية التي تجسدت في معراب. إن الرئيس القادم لا بد ان يحظى على غطاء القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر قبل اهتمامه بتعداد الاصوات داخل مجلس النواب. الرئيس القادم لا بد ان يسعى للحصول على الاصوات الـ٢٨ للثنائي المسيحي عوضاً عن التلهي بنشوة الحصول على كافة الاصوات الاخرين. إن الرئيس القادم لا بد أن يحظى على غطاء داخلي وذاتي قبل البدء بالاستقواء بقوة الشركاء، الحلفاء او الاسياد. إن الواقع الذي تشكل في معراب يجسد في حد ذاته امتداداً طبيعياً في مسيرة ترسيخ مفهوم الشراكة الوطنية عبر تثبيت موقع الرئاسة الاولى، هذا الواقع الذي يتوجب على كافة الاطراف الوطنية وخاصة المسيحية الالتفاف حوله والتركيز على نتائجه الاستراتيجية الايجابية عوضاً عن التلهي بزواريب "الانيات".
 
إن "مسرحيات" البعض في خلق الاعذار والحجج الواهية من اجل "استثمار الفراغ" قد بدأت تنفضح، إن الانتصارات "الالهية" التي يحاول فريق تصويرها لم تترجم على ارض الواقع بل بقيت عنواناً عريضاً لخطابات رنانة، على أمل الا تخفي وراءها نية تعطيلية مبرمجة. اننا اليوم امام مفترق طرق، إما الشروع في إستكمال عملية بناء الدولة او الاستمرار في نهج... إغتيال الجمهورية.
نقلاً عن FEB 04, 2016
إستطلاع
مجلة آفاق الشباب
عدد استثنائي
إقرأ المزيد