شكرًا كورونا!
صحة MAY 02, 2020

بسبب الوضع الصّحّي العصيب الذي نمرّ به وتعذّر توزيع مجلّة آفاق الشّباب، إليكم تقرير "شكرًا كورونا"، من العدد ٨٩ من مجلّة آفاق الشّباب.

 

كثُرت في الآونة الأخيرة المشاكل الإجتماعيّة والإقتصاديّة في العالم برمّته، وأتت صفعة الكورونا لتقلب موازين عدّة. الآن وقد ضرب فيروس غير مُتوقّع الحياة البشريّة بعرض الحائط، خبريّةٌ بيئيّةٌ جديدة كانت كفيلة بخلق بعثة أملٍ لدى الخبراء البيئيّين ووكالات البيئة والفضاء. فيما النّاس أسرى منازلهم، ها هي الأرض تنتفض من جديد. فقد أوجدت لنفسها علاجًا سُمّي بالكورونا، يداوي فيها عللًا كثيرة كانت تُثقل كاهلها، وأهمّها انحسار نسبة التّلوّث والتئام ثُقب الأوزون.

 

الكورونا والتّلوّث:

فرضت الكورونا تدابيرًا وقائيّةً جمّة، تترجمت بعرقلة معظم نشاطات الإنسان: مصانع مقفلة، أعمال حفرٍ وتكسير مؤجّلة، شوارع خالية، مطاراتٍ تعجّ بالفراغ... ولكن، هل هذه العرقلة دون منفعة؟

نشر مارشال بورك (Marshall Burk)، خبير الموارد البيئيّة في جامعة ستانفورد(Stanford) ، على المدوّنة العالميّة للأغذية والبيئة وديناميكيّات الإقتصاد دجيفيد (G-FEED)، تقريرًا مفاده أنّ انحسار التّلوّث بفعل كلّ ما قد ذكرناه سابقًا، قد خلّص حياة ٤٠٠٠ طفل دون الخامسة من عمرهم، و٧٣٠٠٠ عجوز تجاوز في عمره العقد السّابع، وذلك في الصّين وحدها! هذا العدد فاق عدد الوفيّات العالمي من جرّاء الكورونا أثناءها، ممّا يعني أنّ انحسار معدّل تلوّث الهواء في الصّين، سينقذ حياة أشخاصٍ أكثر بعشرين مرّة من عدد الوفيّات بالفيروس هناك.

من جهته، صرّح الأستاذ المساعد لهندسة الصّحّة البيئيّة في جامعة جونز هوبكنز(Jones Hopkins) لمجلة نيوزويك  (NewsWick)، أنّ صور وتسجيلات القمر الصّناعي لمستويات تلوّث الهواء في العالم، تُظهر تحسيناتٍ جذريّة في العديد من المناطق التي فُرض فيها الحجر الصّحّي، وخصوصًا في إيطاليا والصّين. كما وأكّد هوبكنز أنّ هذه التّسجيلات تُظهر انخفاضًا حادًّا في نسبة ثاني أكسيد النّيتروجين  (NO2)، في المناطق الصّناعيّة في هذين البلدين.

 

الكورونا وطبقة الأوزون:

تداولت بعض الصّفحات بمعلوماتٍ حول بدء التئام ثقب الأوزون، تحديدًا فوق القارّتَيْن القطبيّة الجنوبيّة والشّماليّة، تبعًا للإقفال العام والحجر المنزليّ. فما صحّة هذه المعلومة؟

أفاد باحثون في وكالتَيْ ناسا (NASA) ونوا (NOA)، أنّ حجم ثقب الأوزون الذي كان يبلغ حوالي ١٦،٤ مليون كم٢، قد تقلّص إلى ما دون العشرة ملايين، مؤكّدين أنّ هذه الطّبقة تواصل تعافيها. وقد لفتوا إلى أنّ مع تحسّن طبقة الأوزون، سيزول الإحتباس الحراري حتمًا، وبالتّالي تعود حرارة الأرض إلى معدّلها الطّبيعي. أضافت دراساتهم أنّه سيترافق مع ذلك تحسّنًا في نمط حياة الإنسان، حيث أنّ الطّبقة ستعود وتزاول مهنتها بالتقاط أشعّة الشّمس الما فوق البنفسجيّة. عندئذٍ، تنخفض نسبة المصابين بسرطان الجلد النّاتج عن هذه الأشعّة، وتنحسر بعض الأمراض النّاتجة عن التّلوُّث، ناهيك عن تراجع الفسحة المتضرّرة من جرّاء الإحتباس الحراري.

أعلنت وكالة معلومات تغيّر المناخ كوبيرنيكوس (Copernicus) من جهتها، أنّ طبقة الأوزون شهدت إنغلاقًا تامًّا لثقبها الذي يقع أعلى القارّة القطبيّة الشّماليّة، والذي يُعرف بانقسام الدّوّامة القطبيّة، خلال شهرَيْ آذار ونيسان ٢٠٢٠. كما أكّدت أنّ هذه الظّاهرة غير المسبوقة سمحت للهواء الغني بالتّدفّق في القطب الشّمالي.

 

ما الذي سبّب الإحتباس الحراري؟

 إنّ ارتفاع منسوب غازات الإحتباس الحراري في الغلاف الجوّي، أو ما يُعرف بغازات الدّفيئة، يؤدّي إلى الإحترار العالمي. من أهمّ هذه الغازات: ثاني أكسيد الكربون (CO2) الذي تُصدره مداخن المعامل بكمّيّاتٍ هائلة، ثاني أكسيد النّيتروجن (NO2) الذي يتصاعد من مداخن المعامل، من السّيّارات والطّائرات، وغاز الميثان (CH4) الذي ينتج عن حرق الفحم... هذه الغازات تمتصّ الطّاقة الحراريّة التي تنبعث من سطح الأرض لتُعيد بثّها مجدّدًا في المساحة بين الغلاف الجوّي والأرض. هذه الظّاهرة هي التي تُحدث تغيّراتٍ جذريّة بمناخات الأرض، حيث تجعلها أكثر دفئًا.

 

ماذا لو زال الإحتباس الحراري؟

 إذا زال الإحتباس الحراري، نتائج عدّة تنعكس إيجابًا على كلّ نشاطات الإنسان وطرق عيشه. إليكم بعضها:

- التّأثير على الطّبيعة:

١- تعود درجات الحرارة على الأرض لتنخفض، مطيحةً بخطر التّصحّر في بعض المناطق، ناهيك عن تراجع الفسحة المتضرّرة من ذوبان رقعة مهمّة من الثّلج في القطبَيْن الشّمالي والجنوبي،

٢- إسقاط الخلل الذي حصل في دورة المياه الطّبيعيّة، ممّا أدّى حينها إلى تغيّر الأنماط المطريّة في بعض المناطق التي باتت تشهد هطول أمطارٍ كثيفة على غير عادة، فيما أخرى شهدت تراجعًا في هذا الكمّ،

٣- انخفاض نسبة التّبخّر في المياه وما رافقها من تغيّرٍ في الضّغط الجوّي،

٤- زوال الخطر عن المناطق المهدّدة بالغرق والفياضانات، بفعل ارتفاع منسوب المياه الذي سبّبه ذوبان بعض الصّفائح الجليديّة والثّلجيّة والأنهار الجليديّة، وبفعل التّمدّد الحراري للمياه،

٥- إنخفاض نسبة الأمطار والعواصف المطريّة والثّلجيّة وحتّى الرّمليّة أو الحدّ من وطأتها،

٦- تراجع خطر حرائق الأحراج والغابات،

٧- زوال الخطر عن الثّروة الحيوانيّة والنّباتيّة المهدّدة بالإنقراض.

- التّأثير على الإقتصاد:

١- زيادة نسبة المياه الجوفيّة العذبة التي ترتوي منها الشّعوب،

٢- إمكانيّة نشر المولّدات التي تعمل على الطّاقة الهوائيّة أو الشّمسيّة أو المائيّة، وبالتّالي تخفيض أكلاف الإنتاج والتّلوّث.

التّأثير على القطاع الزّراعي:

١- زيادة الأراضي القابلة للزّراعة،

٢- توفّر كمّ أفضل من المياه العذبة للرّيّ،

٣- عودة أنماط المناخ الطّبيعيّة ممّا يساهم بإنتاجيّةٍ زراعيّةٍ أفضل،

٤- إنتاجيّةٍ أفضل في تربية المواشي والدّواجن من حيث تأمين المرعى والمناخ المناسبَيْن.

التّأثير على الصّحّة:

١- إنحسار نسب تلوّث الهواء وما يترافق معها من أمراض،

٢- إنحسار نطاق الأمراض الجلديّة والسّرطان والرّبو،

٣- إنخفاض كمّ البعوض والجراثيم المرضيّة والقاتلة.

 

إذًا، صحيحٌ أنّ ضربة الكورونا كانت قاسية على العالم كلّه، لكن، فلنفكّر إيجابيًّا! لعلّ الأرض بهذا الفيروس أتاحت لنا الفرصة لنراجع أولويّاتنا، ثمّ ننتقل لبداية جديدة ببيئةٍ أفضل من تلك التي فتكت بها أعمالنا. ولنعد النّظر في كيفيّة حفاظنا على هذا التّحسّن البيئي واستكماله، عوضًا عن مزاولة أعمالنا التي لن تسلب منّا سوى البيئة السّليمة والصّحّة!

 

صحة MAY 02, 2020
إستطلاع
مجلة آفاق الشباب
عدد استثنائي
إقرأ المزيد