عيد المعلّم
مساحة حرة MAR 09, 2022

يأتي العيد هذا العام مثقلًا بالكثير من الهموم والمشاكل، ويترك ما تبقى من المعلمين والمعلمات أمام مشهد سوداويّ ومأساة حقيقية. فالقطاع الذي كان بالأمس فخرًا للبنان، وجعل كل راغب بالعلم والمعرفة يقصد مدارسنا وجامعاتنا، بات اليوم فشلًا إضافيًا لمسؤولين وحكام فقدوا ضمائرهم وعبدوا جيوبهم.

منذ فجر التاريخ، كلما أرادت البشرية التعبير عن احترامها لأحدهم، أو وصفه وكأنه أرفع الناس وأعظمهم، لقّبته بكلمة "المعلّم"، حتى صار التعليم مرادفًا لكبار القوم وأشرفهم. أمام اسمه انحنت اللغات، وتواضعت الأبجديات، ومن رحم معرفته خرج الطبيب والمهندس وقائد السفينة والطائرة ورائد الفضاء... حتى ربّ السماء والأرض حين أخذ صورة الإنسان، دعاه تلاميذه "يا معلّم". لكن في بلد دأب حكامه على تفتيته وتدميره، أصبح المعلم الحلقة الأضعف في المجتمع المنسي والمتروك والمحروم من كل راحة. بالإضافة إلى أفعال مسؤولينا، حلّت جائحة كورونا لتكون ضيفًا ثقيلًا أجبر المعلمين على تغيير نظام حياتهم وطرق تعليمهم بوقت قياسي.

لقد أمضيت ثلاث أعوام دراسية في مزاولة مهنة التدريس ورسالة التعليم، لذلك من السهل عليّ فهم ما يشعر به الأساتذة اليوم. فهؤلاء الأبطال يناضلون باللحم الحي؛ ولمن يشكّ بكلامي، يكفي القيام بعملية حسابية بسيطة ومقارنة بين رواتب الأساتذة ومصاريفهم. بالمقابل، تتقاعس الدولة المنهارة أكثر من القطاع التعليمي نفسه، عن القيام بأي مجهود لتحسين أوضاعهم، ما دفع بأعداد كبيرة منهم إلى الهجرة، ومن بقي هنا منهم فضّل المنزل على مهنة لا تطعمه خبزًا.

من المؤلم أن نتحدّث عمن شُبِّه بالرسول وكأنه صار اليوم منفيًا، وكيف أصبح باني الشعوب، أعجز من أن يبني له منزلًا يأويه وأطفاله، ومن غذّى عقول العلماء والشعراء والأطباء والمخترعين، غير قادر على تأمين غذاءه اليومي.

في ظلّ كل ما يعانيه أساتذتنا، ولأن اليوم عيدهم ولأننا نرغب بالاحتفال بهم، لا يمكننا سوى قول كلمة شكرًا... ألف شكر لمناضلين ومقاومين حقيقيين، لمن يبذلون أنفسهم عن مجتمعهم، ويحتملون جلجلة الوطن الطويلة بصبر، علّ القيامة تشرق علينا وتحمل غدٍ أفضل. وحتى ذلك الوقت، وأمام عجز كلماتي سأردد مع الشيخ محمد رشاد الشريف:

فيا معلم هل رُدّ الجميل إلى ذويه أم يا ترى ضلت به الطرق

فبتّ في الناس منسياً فلا أحد يهفو اليك فأنت المهمل الخَلَقُ

تمدّ في كل شهر للقساة يداّ ترجو كفافا عسا يبقى به الرمقُ

مساحة حرة MAR 09, 2022
إستطلاع
مجلة آفاق الشباب
عدد استثنائي
إقرأ المزيد