جريمة الطّماعين... الإحتيال
تحقيق MAY 13, 2019

إنّ لبنان يمرّ بفترة عصيبة، إذ انّنا قد شهدنا في الآونة الأخيرة تدهور للوضع الأمنيّ، حيث ازدادت الجرائم على أنواعها نتيجةً للوضع الإقتصادي والسّياسي والإجتماعي المأساويّ. ومن بين الجرائم الأكثر شيوعاً تبرز جريمة الإحتيال.
فما هي هذه الجريمة وما هي عقوبتها في القانون اللّبناني؟
قد عرّف قانون العقوبات اللّبناني الإحتيال في المادة ٦٥٥ منه، الّتي نصّت أن: "كلّ من حمّل الغير بالمناورات الإحتياليّة على تسليمه مالاً منقولاً أو غير منقول  أو اسناداً  تتضمّن تعهداً أو إبراءً أو منفعةً وإستولى عليها...".

إنّ الإحتيال يتطلّب شروطاً معيّنة لإكتمال الجريمة وهي: الفعل المادي بحدّ ذاته أو الوسائل الإحتياليّة، موضوع الجريمة أي مال منقول أو غير منقول أو الاسناد، النّتيجة وهي تسليم الشّيء وبالتّأكيد قيام رابطة سببيّة ما بين الفعل المادي والنتيجة.
إلى جانب هذه العناصر الماديّة لجريمة الإحتيال هناك ضرورة لوجود النيّة الجرميّة أي أهميّة توفّر القصد الجرمي لإكتمال هذه الجريمة وأن يتّجه هذا القصد إلى النتيجة الذي أرادها الفاعل عن طريق إستعماله الوسائل الإحتياليّة.

1-موضوع الإحتيال:
موضوع الإحتيال أو محل الجريمة يكون مالاً منقول أو غير منقول أو اسناداً تتضمّن تعهدّاً أو إبراءً أو منفعةً.
-مال منقول: وهو أي شيء قابل للنقل من مكان إلى آخر شرط أن يكون قابلاً للتملّك بمعزل عن قيمته الحقيقيّة أو المعنويّة.
-مال غير منقول: كالعقارات مثلاً، يقع الإحتيال عليها عن طريق الحصول بوسائل احتياليّة على المستندات اللّازمة لتملّك هذه العقارات أو لإنشاء حقوق عليها.
-أسناد: يقصد بها أي عمل قانوني من شأنه خلق علاقة  قانونيّة  من الممكن أن ترتد سلباً على الغير  وقد حدد المشترع أنواعها وهي: التّعهد، الإبراء والمنفعة.

2-الفعل المادي أو الوسائل الإحتياليّة:
يجب أن تكون المناورات الإحتياليّة سابقة لعمليّة التّسليم أي النتيجة المبتغاة من الإحتيال، أو على الأقل ملازمة لها وليس لاحقة للفعل.
وقد حصرت هذه الوسائل في المادة ٦٥٥ عقوبات وهي:
1- القيام بأعمال أو بتصرفات معيّنة أو تلفيق  بيانات غير صحيحة وكاذبة من شأنها أن توحي للمتضرّر بالثّقة وتوقعه في الغلط: وجود مشروع وهمي، أمل بربح أو تجنّب لضرر. يجب أن تكون هذه الأعمال سابقة ومؤثّرة على مبادرة المتضرّر.

2- لجوء الفاعل إلى إختراع أكذوبة معيّنة يصدّقها المتضرّر ويكون التّصديق مكتمل نتيجة: تأييد شخص ثالث ولو عن حسن نية أمّا اذا كان سيّء النّية يعتبر شريك في الجرم أو ظرف مهّد له أو إستفاد منه الفاعل.

3- التّصرّف بأموال منقولة أو غير منقولة ممن ليس له حقّ أو صفة أو ممن له حقّ وصفة للتّصرّف وتصرّف بحقوقه عن سوء نيّة.

4- إستعمال الفاعل إسماً مستعاراً أو صفة كاذبة للمخادعة والتّأثير. إنّ الإسم المستعار هو إنتحال الفاعل إسماً ليس له، والصّفة الكاذبة هي إنتحال الفاعل لقب أو وظيفة أو مهنة أو قرابة. وليعتبر الإسم المستعار والصّفة الكاذبة وسيلة إحتياليّة  يجب أن تكون هي العامل الذي خلق الثّقة لدى المتضرّر وقد وقع في الغلط بسببها وأن المتضرّر لم يطلب دليلاً مثبتاً من الفاعل لإدّعائه.

3-النتيجة أو تسليم الشّيء:
ليكتمل جرم الإحتيال يشترط ما يلي:
1-حصول التّسليم تحت تأثير الغلط نتيجةً للوسائل الإحتياليّة الّتي لجأ لها الفاعل.
2-القيام بالتّصرّف المؤدّي إلى التّسليم من قبل الفاعل. لا يشترط أن يتم تسليم فعلي من المتضرّر أو إستيلاء فعلي من الفاعل إذ يمكن أن يتمّ التّسليم بواسطة شخص ثالث أو أن يسلّم الشّيء إلى شخص غير الفاعل. كما أنّه لا يشترط إلحاق ضرر فعلي بالمتضرّر.

4-الرّابطة السّببيّة:
يقصد بها بأنّه لولا العمل الإحتيالي لما تمّ التّسليم. بمعنى آخر أن تكون المناورات الإحتياليّة هي الّتي دفعت المتضرر إلى تسليم الشّيء.

5-النية الجرميّة:
الإحتيال جريمة مقصودة، يجب أن يتوجه قصد الفاعل إلى نتيجة معيّنة قد أرادها فلجأ لإستعمال الوسائل الإحتياليّة. ويعود تقدير النيّة الجرميّة لقاضي الأساس.

6-ملاحقة الإحتيال:
إن الإحتيال في أساسه جنحة ولا يمكن أن تشكّل جناية. قد تطرأ عليها ظروف مشددة تشتد معها العقوبة.
الجرم البسيط يعاقب علبه بالحبس والغرامة.
أمّا الجرم المشددّ فتضاعف عقوبته في حالاتٍ ثلاث:
1-حجة تأمين وظيفة أو عمل في إدارة حكوميّة.
2- فعل شخص يلتمس من العامة مالاً لإصدار أسهم أو سندات أو غيرها من الوثائق لشركة أو مشروع ما.
3-فعل أيّ مفوّض بالتّوقيع من شركة أو جمعيّة أو مؤسّسة أو أيّ شخص معنوي آخر.

ولا بد من تفريق هذه الجريمة عن السّرقة وإساءة الأمانة. فالإحتيال يقصد به تسليم شيء، السّرقة تعني أخذ الشّيء عنوة أو خفيةً والتّسليم في إساءة الأمانة يتمّ رضائياً من دون مناورات على عكس الأحتيال الّذي يتمّ التّسليم فيه عن طريق وسائل إحتياليّة محددة.

هذه هي جريمة الإحتيال الّتي تعتبر من الجرائم الواقعة على الأموال، وقد تفشّت في السّنوات الاخيرة بوتيرة متسارعة وخيالية لكثرة وجود الطّماعين والأشخاص الّتي تبتغي الرّبح بأساليب غير مشروعة معتبرين أنها طرق أسرع ومربحة أكثر، ونتيجة لذلك نرى الفساد المتفشي في البلاد والذي يرهق كاهل المواطن اللّبناني.
فأين أجهزة المراقبة وإلى متى ستبقى جريمة الإحتيال بلا حسيب أو رقيب؟

تحقيق MAY 13, 2019
إستطلاع
مجلة آفاق الشباب
العدد 86 من نشرة آفاق الشباب
إقرأ المزيد