ربع قرن وعام... الحقيقة المعلومة-المجهولة
مساحة حرة FEB 27, 2020

إنّه يوم الأحد الواقع في 27 شباط 1994 عند الساعة التاسعة وخمس عشرة دقيقة: دوّى انفجار في كنيسة سيّدة النجاة في زوق مكايل أثناء الذبيحة الإلهيّة، ما أدّى إلى سقوط 11 شهيد و54 جريحاً. تبيّن فيما بعد أنّ الانفجار ناجم عن تفجير كهربائي لعبوةٍ ناسفةٍ مؤلفة من قذيفتي هاون عيار 81 ملم وكميّة من مادّة سي 4 المتفجّرة، كما تبيّن وجود عبوة ناسفة ثانية معدّة للانفجار عند الساعة  10:15.

كان هذا العمل الخبيث شرارة الانطلاق بالمخطط المنهجي لاستكمال مشروع السيطرة السورية على لبنان وإزالة كل عقبة في وجه هذا المشروع. وكانت "القوّات"، كما أسلافها على مدى 1400 عام، رأس حربة المواجهة والدفاع عن الحريّة والكرامة الإنسانيّة والسيادة.
اعتقد المعتدي حينها أن أنامله الدامية أطلقت مسار بداية النهاية للقوّات اللبنانيّة وقائدها سمير جعجع، وبداية النهاية لكيان طالما اعتبره شوكة في خاصرته. لكنّه تناسى أنّ عند نهاية درب الجلجلة، حيث يشعر القاتل بنشوة النصر والمضطهد بلسعة الخيبة واليأس، قيامة!
في قراءة للخطوط العريضة لتوالي الأحداث، يظهر للمراقب مخطّط أيادي الشر ونواياها:
1- في 10 آذار طوّقت وحدات من الجيش اللبناني مقرّ قائد "القوّات" سمير جعجع في غدراس-كسروان مع توزيع أخبار أنّ منفذي  التفجير لجأوا إلى هناك.
2- تم بموجب المرسوم رقم 4908 تاريخ 23 آذار 1994 سحب العلم والخبر الرقم 178 تاريخ 10-9-1991 المعطى بتأسيس الجمعيّة المسماة "القوّات اللبنانيّة" في بيروت.
3- في 21 نيسان 1994 تم توقيف سمير جعجع من قبل القاضي منير حنين المحقق العدلي في جريمة اغتيال داني شمعون وعائلته إذ زعم وجود علاقة لجعجع في اغتيال شمعون أثناء التحقيق في تفجير الكنيسة.
في حكمه النهائي المبرم اعتبر المجلس العدلي أنّ "إسرائيل هي التي أعطت الأوامر لتفجير الكنيسة بهدف إبعاد الأنظار عن مذبحة الحرم الإبراهيمي التي حصلت في 25 شباط 1994 ومنع قداسة البابا من زيارة لبنان، واستعملت كأدوات للتنفيذ خليّة تتألف من جرجس الخوري وطوني عبيد ورشدي رعد وجان شاهين، وهم، كما اعتبر الحكم، عناصر في "القوّات اللبنانيّة" يعملون لصالح إسرائيل. ولم يكن للدكتور جعجع أيّ صلة أو مونة عليها. لذلك كانت براءة جعجع من جرم تفجير الكنيسة. لكن للمفارقة، صرح رئيس "القوّات اللبنانيّة" سمير جعجع يوم تنفيذ العمليّة المشؤومة بالتالي: "لن أقبل بتجهيل الفاعل، والدولة مسؤولة عن الأمن". وكأنه كان مدركاً بما كان يحضر من تلاعب "لتفخيخ" صورة "القوّات اللبنانيّة" في الوجدان الوطني والمسيحي والتعمية على المرتكب الحقيقي.
في المحصّلة، إنّ العدالة كالماء، لا بد أن تجد لنفسها مسرب خلاص، والحقّ شمس لا يمكن حجبها. في زمن الانتفاضة من أجل دولة القانون، إنّ المحاسبة لشرط جوهري لقيامها. كذلك فالسلام الحقيقي ليس بغياب الحرب، وإنما يتحقق بالعدالة الانتقالية Transitional Justice (تعريف العدالة الانتقالية بحسب المفوضية السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة: تتألف العدالة الانتقالية من الآليات القضائية وغير القضائية على السواء، بما في ذلك مبادرات الملاحقة القضائية والجبر وتقصي الحقائق والإصلاح المؤسسي أو مزيج من ذلك. وأيّ مزيج يتمّ اختياره يجب أن يكون متوافقاً مع المعايير والالتزامات القانونية الدولية). على سيدة العدالة (Lady Justice) أن تزيل الضمّادة من على عينيها للتمييز بين الشر والخير، وبين ظالم ومظلوم.
ختاماً، إنّ الحصانات الأرضيّة لا قيمة لها ولا اعتبار أمام القدير، فويلكم من القاضي الأعظم حيث لا يصح إلاّ الصحيح!

مساحة حرة FEB 27, 2020
إستطلاع
مجلة آفاق الشباب
العدد 88 من نشرة آفاق الشباب
إقرأ المزيد