وقت السلم كمان "قوات"
مساحة حرة MAY 20, 2018

عند دخولي كلية الهندسة في الجامعة اللبنانية، وقد كنت حينها غير ملتزم بحزب "القوات اللبنانية"، لم اكن اعرف رمزي عيراني، كنت ارى صورته على احد جدران مكتب الهيئة الطالبية لكنني لم اكن اعرف كيف ومتى استشهد، لم اكن اعلم حتى لمَ عُلّقت صورته هو دون سواه. اردت ان اعرف اكثر عن ذلك الشاب الوسيم، صاحب الابتسامة في جميع صوره.
سألتُ عنه وبحثت عن سيرة حياته على الانترنت، فكوّنت فكرة عن ذلك الشاب القواتي المندفع انقلها اليكم مصحوبة بكلمات وجدانية لكنها بالتأكيد لا تفي الشهيد حقه.
اكتب هذه الكلمات وانا لم اعرف رمزي معرفة شخصية بل عبر كلام رفاقه في النضال داخل صفوف "القوات اللبنانية" ومصلحة الطلاب فيها، وهو كان رئيسا لدائرة الجامعة اللبنانية. ربما لم يحمل رمزي بندقية في حياته لكنه حمل فكر المقاومة في قلبه وكلماته، فكان وعند كل كلمة يلقيها يبث الحماس في صفوف رفاقه. 
رفع رمزي الصوت عاليا بوجه الاحتلال السوري، لم يقبل بسيادة منقوصة ولا بتقييد الحرية، رفض ان يكون في لبنان جيش محتلّ، فاتخذ من الكلمة سلاحا له واعتلى المنابر عند كل مناسبة، يدعو رفاقه للمقاومة ورفض الامر الواقع.  
لم يرضخ رمزي لاعتقال قائد "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع، فاستمر بنضاله الطالبي والنقابي، رافضا ان ينجرف مع التيار ويتخلى عن القضية التي آمن بها، فلم ينصرف الى عمله في الهندسة والتي تعب ليحصل على شهادتها وتناسى القضية لانه لم يكن يسعى لمستقبله الشخصي وحسب بل كانت لمصلحة الوطن الاولوية بالنسبة له، لم يقبل بمستقبل مجهول لوطن تحت الاحتلال، حاله كحال معظم رفاقه القواتيين.
استمر رمزي بنضاله الحزبي غير آبه بقرار حل الحزب، فكان سعيه الدائم لجمع الطلاب وتعرفيهم على القضية التي يناضل حزب "القوات اللبنانية" من اجلها وقد اعتقل قائده دفاعا عن هذه القضية، فكان الصوت الصارخ في برية الاضطهاد والقمع، يبحث عن كل مناسبة ليُظهر للجميع بان حزب "القوات اللبنانية" حزب لا يموت، لانه ليس مجرّد حزب بالمعنى التقليدي بل هو قضية شعب يعشق الحرية ويرفض القمع، شعب تاريخه متجذر في هذه الارض، ثابت كجذور الارزة التي تتوسط علم "القوات". 
حمل رمزي مشعل المقاومة السلمية، فكان الرقم الصعب في زمن النضال السلمي، فاصبح ذلك الشاب المندفع، الذي قرر مع رفاقه تكسير القيود وصولا لتحرير القائد من اعتقاله، راح يبحث عن كل استحقاق ليثبت حضور "القوات اللبنانية"، فتوجه للعمل النقابي في نقابة المهندسين رغم التضييق والحصار، لكنه تمكن بفضل صفاته الحسنة واخلاقه الرفيعة من جذب القواتيين اليه فمنع الخوف من التسلل الى قلوبهم في الزمن الصعب.
ادرك رمزي ان النظام الامني الذي كان يحكم وقتها لن يسمح له بالاستمرار في النضال، لكنه استمر برفع الصوت عاليا غير مهتم بالتهديدات التي كانت تصله، فقد اعتبر انه من حزب لم يبخل يوما بتقديم الشهداء على مذبح الوطن، انه من مدرسة تعشق الحياة الحرة ولا تخشى الشهادة في سبيل هذه الحرية. ترسّخت هذه المبادئ في عقل رمزي وكان يسعى دائما لنقلها لرفاقه في الحزب ونشرها في صفوف الطلاب لانه آمن ان استمرارية القضية هي بتناقلها من جيل الى جيل.
اثارت شخصية رمزي الهادئة والمندفعة في الوقت نفسه استياء النظام الامني، فحاول اسكات صوت رمزي عبر التهديد والوعيد، لكن وعلى عكس تمنياته كان صوت رمزي يرتفع اكثر فاكثر، وكانت تحركاته تزداد يوما بعد يوم، لم يتحمل الاحتلال وقتها صوت الحق، فكيف لشاب ان يخرق منظومة الخوف التي حاول ذلك النظام خلقها، لم تتحمل قيادات النظام ان يبقى رمزي عيراني حرّا وان يخلق جيلا يحمل احلامه، فصدرت الاوامر باسكات صوت رمزي وكي يكون للجريمة وقع في نفوس رفاق رمزي لاضعاف عزيمتهم، اراد النظام الامني المجرم تكريس اجرامه باغتيال رمزي بابشع الطرق. ففي 7ايار 2002 خُطف رمزي ولم يعرف عنه اهله شيئا، ظنوا ان النظام اعتقله لاسكاته كما اعتقل قائده،  لكن الصدمة كانت يوم 20 ايار حين وجد رمزي جثة في صندوق سيارته، مصابا برصاصة في قلبه، ذلك القلب الذي عشق الوطن والقضية حتى الشهادة. 
روى رمزي بدمائه زمن النضال السلمي، ليثبت ان "القوات اللبنانية" حزب يقدم الشهداء في السلم كما في الحرب دفاعا عن وطن سيد حر مستقل. اما رفاق رمزي فعلى الرغم من بشاعة الجريمة والصدمة، حملوا الامانة التي اوصاهم بها رفيهم الشهيد :"لا تستسلموا للامر الواقع"، حملوا القضية باندفاع اكبر، فهذه المرة الامانة اصبحت معمّدة بدماء رمزي والوفاء له يكون بتحقيق حلمه. علموا جيدا بان قدر الابطال ان يرحلوا لكنهم يبقون بيننا باعمالهم وتضحياتهم، فكان ايمانهم ان الحق سيتنصر والحرية ستأتي مهما تأخر الزمن، وهكذا كان في 14 اذار 2005 كسّر رفاق رمزي القيود ونزلوا يطالبون بالحرية فلاقتهم حشود من الشعب اللبناني على مختلف انتماءاتهم وصرخوا بصوت واحد مطالبين بالحرية والسيادة والاستقلال، فارتاحت روح رمزي في عليائها وهو يشاهد من فوق رفاقه قد حققوا الوعد، واكتمل الانتصار بخروج جيش الاحتلال ذليلا من ارض لبنان وخروج القائد الحكيم من الاعتقال الى الحرية من جديد.

مساحة حرة MAY 20, 2018
إستطلاع
مجلة آفاق الشباب
العدد 88 من نشرة آفاق الشباب
إقرأ المزيد