‎العمل السياسي: إرادة، قيادة وتعاون
تحقيق AUG 22, 2017

"إذا الشعب يوماً أراد الحياة، فلا بدَّ أن يستجيب القدر".
هذا ما قاله الشاعر أبو القاسم الشابي يوماً، إذ على مرّ العصور شهد التاريخ القديم والحديث في العالم على انهيار حضارات وبناء أخرى، وبالتالي اضمحلال شعوب كي تولد منها بشرية جديدة.

إنّ وجه تاريخنا الحديث لم يكوَّن بين ليلة وضحاها، ولم يُكتب على ورق من العدم.  بل هو وجه نضال وتضحيات دفعت الشعوب ثمنها دماً. من منّا يستطيع نسيان السكان الأصليين لقارة أميركا أو كما نسمّيهم "Indigènes" الَّذِين رفضوا  "الإقلاع" عن أرضهم بالرّغم من الإفتاءات والنير والظلم والعبودية، وذلك بفضل اتّحاد قبائلهم؟ وهل يمكن أن نغضّ النظر عن  إرادة الشعوب القديمة كالشعب اليهودي وهروبه من ظلم الفراعنة عبر الصحراء بقيادة موسى، كما هو مذكورٌ في سِفْر الخروج من العهد القديم؟ أو معاناة الشعب الأرمني خلال فترة الحكم العثماني والمجازر اللتي شرّدته في بلدان مختلفة، ليعود عام بعد عام، لمدة قرن من الزمن، ويطالب بتحقيق العدالة؟ 

إذاً، إن عالمنا الحالي، كما هو اليوم، ليس إلّا صفحة في كتاب الزمن، سبقتها صفحات لا تعدّ، منها البيضاء الناصعة، ومنها السوداء الظالمة، لمن الأهم أنها أوصلتنا إلى ما نعيشه اليوم.
 
لكنّ السؤال هنا، ما هي  العوامل الثابتة في تشكيل الأنظمة السياسية منذ القدم وحتى اليوم ؟

بدايةً فلنعُد الى الأصل، إذ كلمة سياسة مشتقّة من الفعل "ساسَ" أي قاد وأدارَ ورعى. 
ومن هذا المنطلق، يحتاج العمل السياسي الى قيادة لا زعامة كما رأينا مع قيادة موسى للشعل اليهودي في الصحراء، على سبيل المثال لا الحصر، والى إدارة متّحدة كما تعاون سكان أميركا الأصليين والى رعاية أرض وشعب وسلطة. وهي تحتاج لشعوب مناضلة لا تملّ، وإلى ثبات في المبادئ والمواقف، لتشكيل حالة معيّنة لفئة أو لتجمّع بشريّ يميّز نفسه عن غيره، ويسعى لتشكيل نظامه السياسي. هذه العوامل مجتمعة تشكّل لوحة سياسية راقية ومتآلفة، متناغنة ومرنة، لكن ثابتة وحازمة في الوقت عينه. 

إذاً سرّ العمل السياسي يكمن في قيادة حقّة لأطراف أو أجزاء أو أعضاء تكون مختلفة عن بعضها- وهذا أمرٌ لا بدَّ منه من أجل الحفاظ على نسيج وطنيّ وإنسانيّ متميّز- ولكنّها متحلّقة حول قضيّة واحدة وهي الوطن بكافة أركانه.
لذلك، قد يُخفق العمل السياسي حيناً وينجح حيناً أخرى.. لكنّ الأساس يبقى مرتبطاً في فعاليّة الأركان العاملة سياسياً ومدى جهوزيّتها وحضورها للتصدّي لأي نكء بهدف تطييبه وبلسمته، وبالتالي عدم السماح للمرض أن يجد سبيلاً الى جسم الوطن.

والعمل السياسي في لبنان هو عملٌ نضاليّ بامتياز، من نشأة هذا الوطن، الى التصدّي للحضارات التي حاكت خيوطها على أرضه، حتى إعلان دولة لبنان الكبير، فالإستقلال، مروراً بالحرب اللبنانية والإغتيالات، دخول جيوش الإحتلال وخروجها، وغيرها من الأحداث والحقبات  اللتب كوّنت عناوين عريضة في كتاب تاريخ لبنان السياسي. عناوين لصفحات ملأها النضال والدم وتكلّلت بأكاليل الشهداء وذكاء بعض القادة، لكنّها اتّشحت بالسواد أيضاً مع السعي الدائم لفئة ما الى تغليب المآرب الفردية أو مصالح بلدان أخرى على الوطن بكليّته. وهو أمر غالباً ما حصل عير التاريخ اللبناني، وأحيانا شوّه بطولات عظيمة وغيّر ملامحها، وإن اختلفت الحقبات، الظروف والتسميات. وقد أثبتت الأيام أنّ قوّة لبنان تكمن في اتّحاد كافة عناصره وأحزابه، والعبور من منطق الطوائف والتجمعات إلى منطق الدولةالواحدة  القويّة الحاضنة لكل اللبنانيين والراعية الأولى والأخيرة لهم.  وهذا ما يرفضه البعض، للأسف، بإصراره على الحفاظ على تجمّعات طائفيّة منغلقة يحارب من خلالها منطق  الدولة، لمصالح باطنية.

عليه، قالها مرّة غبطة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير: "يجب إزالة الطائفية السياسية من النفوس قبل النصوص". 
إذاً، علينا أن ننظر الى مستقبل سياسي واعد في وطننا، متعلّمين من أخطائنا ومتّخذين منهجيّة الإتحاد بالرغم من التّشرذم وذلك كي ننتشل القوّة من قلب الضعف! 

تحقيق AUG 22, 2017
إستطلاع
مجلة آفاق الشباب
عدد استثنائي
إقرأ المزيد