وأغمض المجد عينيه...
مساحة حرة MAY 12, 2019

قاسيةٌ هي الأوقات التي تسحقُ كلّ الآمال والظّنون وتمزّق القلوب بأسهمٍ من الذّكريات... الآن عرفنا كم ظلمنا ضمائرنا في كلّ مرّة لم نكترث فيها لبحّة صوته من خلف المنبر، لشيبة لحيته، و لكلّ تنهيدة تعبٍ أطلقها بعد كلّ موقفٍ جبّار. كم خسرنا في كل مرة تناسينا فيها رجفات القلم بين يديه وهو يخطّ بيانات السّيادة والحرّيّة، متوهّمين أنّ الزّمان دائمًا ما يتوقّف أمام غبطة المجد والتّاريخ منحنيًا!

بالأمس كنّا وكانت أعيننا شاخصةٌ نحوه، وكان هو يباركنا من شرفة الصرح البطريركيّ يوم لجئنا إليه، يشدّ على أيادي "طلّاب القوات" ويغذّي روح ثورتهم الحرّة في وجه كلّ أشكال القمع والظلم. واليوم غاب تاركًا إيّانا نتأمّل في سكون عينيه الغارقتين في بحرٍ من السّلام ونشدّ على أناملَ أفهمتنا قدسيّة عنفوانِ الكرامة.

أمس انتقى أن يشاركنا الصّلاة في يوم تذكار شهدائنا، واليوم تلقاه صفوف الأبرار لتستقبله بعرسٍ سماويّ مجيد!
بالأمسِ علَت أعلامنا وهي تخفق أمامه في زوايا الساحات، واليوم تنكّس حزينةً كلّ رايةٍ حرّة.

يمضي البطريرك معانقاً بيده مسبحته البيضاء التي أراد من لونها أن ينعكس سلامًا على لبنان، هو الذي لطالما عمل في حياته إلى حقن نزيف الدّم بين المسيحيين خصوصًا  وكل اللبنانيين عمومًا، من لم يتأخّر يومًا عن السعي لتعميم لغة التلاقي وبناء جسور الحوار بين كامل الأطراف رغم اختلافاتها وخلافاتها، ما ترجمه جليّا عبر رعايته للمصالحة المسيحيّة-الدرزية في الجبل عام ٢٠٠١. 

يغادرنا، بعد أن حفر بكلامه مبادئ السّيادة والاستقلال هو من كان العمود الأساسيّ للاستقلال اللبنانيّ الثاني عن الاحتلال السوري عام ٢٠٠٥، الّذي تجرّأ وقال "لبنان أولاً" رافضًا بذلك الرضوخ لإرادة الطامعين والديكتاتوريين السّاعين لهدّ الكيان الوطني. 

يودّعنا اليوم، ليرقد إلى الأبد هامةً بين صخور قنّوبين، حاضنًا في قلبه حبّا لا يفنى... وروحًا طاهرةً نقيّةً إلى حدّ القداسة.

دموعنا تبكيك يا أب قضيتنا... قلوبنا انفطرت لمرارة الفراق... وعيوننا تلملم الذكرى الأخيرة لعظيم عايشناه قد لا يتكرر مثاله. سنفتقدك دومًا... سنشتاق لصوتك الحنون الذي اعتدناه أن يكسر جدران شكوكنا ومخاوفنا عند كلّ استحقاق فيطمئننا قائلا: "نحن معكم...".

مساحة حرة MAY 12, 2019
إستطلاع
مجلة آفاق الشباب
العدد 84 من نشرة آفاق الشباب
إقرأ المزيد