دواء النّزيف مصالحة
مساحة حرة AUG 05, 2019
  • - أتؤمن بالتقمّص أم بالقيامة؟
  • - أؤمن بجبلٍ واحدٍ، بوطنٍ واحد، بشعبٍ لا تفرّقه الطوائف ولا سيف له إلّا القلم.

هكذا يجيب اليوم أهلُ "الجبل" عندما تسألهم ذلك السؤال الطائفي السقيم. فمنذ ثمانية عشر عامًا، خسر دروز ومسيحيّو الجبل كل ضغائنهم وحقدهم الذي خلفته حرب 1983 وسابقاتها، فربحوا وطنهم.

دماءٌ سُفِكَت، وأشلاء شهداء لم تفرغ منها ساحات الجبل اللبناني حتّى الخامس من آب عام 2001 مع صعود البطريرك مار نصرالله بطرس صفير - قدّسه ﷲ - إلى الجبل، حيث حلّ سلامه في القلوب. فكان العزاء للحزانى، وصارت الدماء مياهًا مقدّسة عُمِّدت بها تلك المصالحة التّاريخيّة.

لطالما سعت السلطة السّورية إلى الحفاظ على الخلافات بين اللبنانيّين، فلم تتخلّ يومًا عن مبدأ الـ"فرّق تسُد". أمّا تلك المصالحة، فكانت مؤشّرًا لاقتراب استقلال لبنان وسيادته.

بعد الانتخابات النيابية في العام 2000، طالب الزعيم الدرزي وليد جنبلاط بإعادة تموضع الجيش السوري في لبنان. وكان هذا الموقف كسيفٍ ذو حدّين، إذ لاقى مودّة من الطرف المسيحي اللبناني، وكان بمثابة مقدّمة للمصالحة؛ ولكن في المقابل، عرّضه للتهديد بالقتل وللترهيب من الجانب السوري الغاضب.

وبعد هذا الموقف الصّادر عن النائب وليد جنبلاط يومها، بدأت التحضيرات توالت، إلى أن تُوّجت بزيارة البطريرك صفير الذي لم يتوان لحظة عن حمل القضية اللبنانية والدفاع عن وطن الرسالة في أحلك الظروف، إلى الجبل.

وبالتّالي تبدأ مرحلةٌ جديدة، فتُطوى مرحلة الصّراعات ما بين الطائفتين.

حلّت بركات البطريرك المقاوم على الجبل وسادت المحبّة بين أهله. إنّما لم تكن هذه حال الوصاية السورية التي فقدت صوابها، معتبرةً أنّ وراء هذه المصالحة تمرّدٌ وتخطٍّ للسّلطة المحتلّة، إذ أنّها تشكّل خطراً على النظام الأمني السوري – اللبناني المشترك، وكان الانتقام السوري في السّابع والحادي عشر من الشهر عينه، واستهدف بالدرجة الأولى "القوّات اللبنانيّة" والمؤسسات الدستورية.

ولكن، وبالرغم من وجود قائد "القوّات اللبنانيّة" في السّجن، وكل التضييقات والحظر المفروض على الحزب، إلّا أنّ القواتيّين استطاعوا أن يسجّلوا موقفًا وحضورًا كبيرًا لاقى وللمرة الأولى دعمًا لبنانيّيًا، فحقّق تقدّمًا باهرًا.

كانت هذه المصالحة نتيجةً لرغبة مسيحيّي الجبل ودروزه في العيش المشترك وتخطّي مآسي الحرب. وكانت الخطوة الأولى في سبيل استعادة القرار الحرّ.

وفي تعليقه على هذه المناسبة التاريخية، قال وليد جنبلاط: "لقد أُقفل باب الحرب التي تعود إلى العام 1840".

أمّا سمير جعجع الذي كان في سجنه الصغير حينها، فجدّد تمسّكه بتلك المصالحة العظيمة قائلًا: "مصالحة الجبل باقية، فهي ثابتة تاريخيّة وليست مجرد حدث سياسيّ ولا يحقّ لأحد التفريط بها. فالناس يأتون ويرحلون إلّا أنّ المصالحة باقية. وفي هذه المناسبة لا يمكنني سوى أن أتذكّر مثلث الرحمة البطريرك الكردينال مار نصرالله بطرس صفير رحمه الله والشّيخ علي زين الدين رحمه الله ورئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط". وكان ذلك في شهر تموز 2019، تعليقًا على أحداث الجبل.

شكّلت مصالحة الجبل سابقةً من نوعها في لبنان، كما حافظ كلّ من أطرافها على مبادئه وتحالفاته، كما تلتها العديد من المصالحات الوطنية، كانتفاضة الاستقلال ومصالحة معراب ومصالحة جعجع - فرنجية، وغيرها من المصالحات التي صحيح أنها كانت خلفًا لمصالحة الجبل؛ ولكن هل نضجت ثمارها فعلًا؟

مساحة حرة AUG 05, 2019
إستطلاع
مجلة آفاق الشباب
العدد 86 من نشرة آفاق الشباب
إقرأ المزيد