البطريرك المؤسس
فكر ودين MAR 02, 2019

ولد مار يوحنا مارون في القرن السابع في مدينة انطاكيا حيث تلقى اولى دراساته ثم انتقل الى القسطنطينية لينهل منها العلم وقد كانت في تلك المرحلة مركزاً دينياً مهماً لكونها عاصمة الامبراطورية البيزنطية فاكمل تعليمه وعاد الى سوريا حيث تأثر بتعاليم مار مارون الراهب القديس، فقرر الالتحاق بدير مار مارون في العاصي حيث اصبح راهبا.

تميّز مار يوحنا مارون منذ دخوله الى الدير بموهبة خاصة بالحماسة الرسولية المناضلة وبتعمّقه الكبير في الايمان واتّباع سيرة وتعاليم القديس مارون وسرعان ما عُيّن اسقفا للبترون فذاع صيطه بهذه المهمة الرسولية اذ انه علّم وبشّر وزار ابرشيته وبخاصة في اوقات المحن.

في تلك الفترة كانت كنيسة انطاكيا تعيش في فوضى عارمة لم تشهد لها مثيل من قبل، وقد اشتدت الاضطهادات ضد هذه الكنيسة فلم تسلم من ضربات الامبراطورية البيزنطية وبخاصة في ظل حكم الامبراطور جستنيان الثاني، كما كان التمدد الاسلامي يشكل خطراً كبيراً، وفي ظل كل تلك الاوضاع الصعبة شغر مركز البطريرك ما وضع الكنيسة في وقف ضعيف. امام كل هذه الظروف تم تعيين مار يوحنا مارون بطريركاً كونه كان احد اكثر الرهبان المتعلمين في انطاكيا ليكون بذلك اول بطريرك ماروني يجلس على كرسي مار بطرس وذلك عام ٦٨٥.

مع استلامه منصبه الكنسي كانت المصاعب تشتد على الكنيسة الانطاكية، فاستلهم مار يوحنا مارون ربه ليمكنه من رعاية شعبه وتنظيم شؤون كنيسته. ومع قيام الامبراطور جستنيان بحملة على انطاكيا للقضاء على المردة، اضطر مار يوحنا مارون الى الهجرة مع رعيته الى البترون في شمال لبنان، فأسس ديرا في كفرحي سماه "ريش موران" حيث تم وضع جمجمة مار مارون ونقل اليه الكرسي البطريركي.

عمل ماريوحنا مارون على تنظيم امور رعيته ووضع أسساً متينة لكنيسته، فاهتم بالامور الدينية وثبت العقيدة المارونية بين الشعب، لكنه وفي ظل المخاطر التي كانت تحيط بكنيسته اهتم مار يوحنا مارون للامور العسكرية فأسس مقاومة عسكرية عُرفت بصلابتها ووقفت حامية للكنيسة بوجه الغزاة الطامعين، فذاع صيت شعب الموارنة على انه شعب جبار قوي بايمانه بحسب العديد من مؤرخي ذلك العصر، وهكذا اصبح مار يوحنا مارون القائد الروحي والعسكري والمدني للطائفة المارونية وقد انضمت الرعية بالكامل الى جبل لبنان الذي اتخذت منه ملجأً. وجرى التقليد منذ ذلك الحين باستقلال الموارنة بانتخاب بطريركهم دون الاتصال بالسلطة الزمنية استشارةً او استئذاناً او طلباً للاعتراف به بعد الانتخاب حتى في ظل الحكم العثماني بحيث استثني البطريرك الماروني من طلب الفرمان ولا يزال هذا التقليد سارياً حتى اليوم مع روما.

توفي مار يوحنا مارون سنة ٧٠٧ تاركاً وراءه شعبا تمسّك بعقيدته وثبّتها في هذه الارض مثل جذور الارز، موارنة تعلموا المقاومة مع الصلاة، فأصبحت فعل ايمان بالنسبة لهم، دافعوا عن حريّتهم بوجه كل العواصف فلجؤوا الى الجبال والوديان وحفروا الصخور فغرسوا صلبانهم على قمم الجبال وعبقت الوديان بعطر البخور. ولم تقتصر مقاومتهم على العسكر فقط بل اعتبروا العلم والمعرفة مقاومة وحماية للتاريخ ونظرة للمستقبل فذهب الموارنة الى مدارس روما وتميّزوا بذكائهم حتى ضُرب بهم المثل "عالم كماروني" وبالرغم من سفرهم عاد التلامذة الى بلدهم علماء فنشروا العلم وأسسوا المدارس وهكذا اصبحت أديرة الموارنة تشعّ ايماناً وعلماً.

هكذا أسس مار يوحنا مارون كنيسة غير مبنية من حجر، بل كنيسة في قلب كل ماروني كان يحملها معه أينما ذهب فانتشرت المارونية في كامل اصقاع العالم رسالة تبشيرية مسيحية مشرقية.

فكر ودين MAR 02, 2019
إستطلاع
مجلة آفاق الشباب
العدد 88 من نشرة آفاق الشباب
إقرأ المزيد