المجلس الدستوري حارس الدستور أم حارس الأحزاب؟
تحقيق MAY 23, 2017

         يعتبر الدستور الوثيقة الأسمى في الأنظمة القانونية الحديثة للدول. إذ هو الذي يحدد نظام الدولة السياسي و الإقتصادي و الإجتماعي و آلية و شكل الحكم فيها, فضلاً عن تحديده لحقوق و واجبات و حرّيات المواطنين و كيفية حمايتها و صيانتها في مبادئ أ نصوص واجب إحترامها من قبل جميع السلطات العامة في الدولة. إذاً إحترام الدستور لا يتحقق إلا من خلال الأخذ بمبدأ سمو الدستور على جميع القوانين و التشريعات و الأنظمة الصادرة في الدولة. فاستناداً إلى هذا المبدأ ظهرت فكرة الرقابة على دستورية القوانين. إلا أن لبنان قد إحتاج إلى 67 عام لتأسيس هيئة تختص بهذة المراقبة و لم يكن ليتم هذا إلا بفضل إتفاق الطائف. فتم تعديل المادة 19 من الدستور بحيث أصبحت تنص على: "ينشأ مجلس دستوري لمراقبة دستورية القوانين والبت في النزاعات والطعون الناشئة عن النتخابات الرئاسية والنيابية...". و بهذا إن منح الرقابة على دستورية القوانين لهيئة قضائية أفضل من منحها لهيئات ذو طابع  سياسي... لربما تتشكل هذه الهيئة من قضاة يتمتعون بالنزاهة و الإستقلالية و المصداقية الشخصية و العملية.

       و تطرح إشكاليات متعددة حول هذا المجلس الدستوري. تبدأ هذه الإشكاليات من عمل المجلس، فما هي بالتحديد مهامه و الآلية التي يتبعها في عمله؟ و من كم عضو يتألف هذا المجلس و كيف يتم تعيينهم و ما مدة ولاية هذا المجلس؟ و ما مدى فعاليته بالقيام بوظيفته؟ هل كل القوانين التي يتبناها البرلمان تتوافق مع الدستور؟ و لا بد لنا من الإشارة إلى الإشكالية التي أخذت الكثير من الجدل و النقاش بين القانونيين حول صحة النصاب في المجلس.

       يتألف المجلس الدستوري من عشرة أعضاء يعين نصفهم مجلس النواب و بالغالبية المطلقة في الدورة الأولى و بالأكثرية النسبية في الدورة الثانية و في حال تساوت الأصوات فالأكبر سناً يعتبر منتخباً و يعين مجلس الوزراء النصف الآخر باكثرية ثلثي عدد أعضاء الحكومة. إلا أن القانون لم يعط أي دور لرئيس الجمهورية في إختيار أعضاء المجلس الدستوري رغم كونه المؤتمن على الدستور و أقسم بالحفاظ عليه. بالإضافة إلى أن عملية إختيار أعضاء المجلس يجب أن يستدعي توافقاً سياسياً بين الكتل الرئيسيّة لتعيين الأعضاء أي هذة العملية تدخل في لعبة الكتل النيابية و التنافس السياسي و هذا إن لم نقل الطائفي و المذهبي و الذي من شأنه أن يؤثر على إستقلالية المجلس الدستوري و هيبته.

         و هذا ما حصل مؤخراً بصدد الطعن بقانون التمديد للمجلس النيابي في حزيران 2013 حيث تغيب ثلاث أعضاء عن جلسات النظر في قانونية التمديد الأول لمجلس النواب اللبناني، بحجة "تعذر إجراء الانتخابات في ظل الأوضاع الأمنية غير المستقرة". إذاً، يتم اختيــار أعضاء المجلس الدستوري من بين القضاة السابقين الذين مارسوا القضاء العدلي أو الإداري او المالي أو من بين الاساتذة الاصيلين السابقين او الحاليين في التعليــم العالي والذين مارسوا تعليم مادة من مواد القانون، أو من بين المحامين الذين مارسوا مهنة المحاماة عشرين سنة على الأقل. و يشترط أن يكون العضو لبنانياً لأكثر من عشر سنوات و متمتعاً بحقوقه المدنية و غير محكوم عليه بجناية أو بجنحة شائنة وأن ولا يقل عمره عن الخمسين سنة ولا يزيد عن أربع و سبعين سنة. وقد حددت المادة الرابعة من قانون انشاء المجلس مدة ولاية أعضاء المجلس الدستوري بست سنوات غير قابلة للتجديد و يتم إحتساب هذة المدة من تاريخ قسم اليمين من قبل جميع الأعضاء.

       ليس من الخطأ أو المعيب أن يصدر عن مجلس النواب قانون لا يتوافق مع أحكام الدستور و لهذا وجد المجلس الدستوري, لرقابة دستورية القوانين بما ان الدستور هو القانون الأسمى في الدولة و لا يجوز تجاوز أي من أحكامه. و دور هذا المجلس لا يقتصر فقط على مراقبة دستورية القوانين بل لديه اختصاصات أخرى. فمن جهة أولى تنص المادة 18 من قانون إنشاء المجلس الدستوري :" يتولى المجلس الدستوري الرقابة على دستورية القوانين وسائر النصوص التي لها قوة القانون, خلافا لأي نص مغاير، لا يجوز لأي مرجع قضائي أن يقوم بهذه الرقابة مباشرة عن طريق الطعن أو بصورة غير مباشرة عن طريق الدفـع بمخالفة الدستور أو مخالفـة مبدأ تسلسل القواعد والنصوص." و من جهة ثانية تنص المادة 23 من القانون عينه :" يتولى المجلس الدستوري الفصل في صحة انتخابات رئاسة الجمهوريـة ورئاسة مجلس النواب والبت في الطعون والنزاعات الناشئة عنها.."  و تشير المادة 24 إلى أن :" يتولى المجلس الدستوري الفصل في صحة نيابة نائب منتخب والنظر في النزاعات والطعون الناشئة عن انتخابات أعضاء مجلس النواب.."

       أولاً, بالنسبة إلى مراقبة دستورية القوانين و سائر النصوص التي لها قوة القانون، فالمقصود بها الرقابة على القوانين الصادرة عن المجلس النيابي و هذه الرقابة لا تكون بالمفهوم الضيق بل تشمل بقية النصوص التشريعية و التنظيمية و القرارات التي لها قوة القانون بما فيها النظام الداخلي للمجلس. بالإضافة إلى الرقابة على دستورية المراسيم الإشتراعية أي تلك التي تصدر عن الحكومة بناءً على تفويض تشريعي صادر عن مجلس النواب و هذه المراسيم بعد عرضها على مجلس النواب تصبح قابلة للطعن أمام المجلس الدستوري الأمر الذي يمنحها طبيعة النص الدستوري. و أيضاً الرقابة على دستورية التشريعات الصادر عن السلطات الطائفية و المذهبية, كون لبنان بلد يعتمد على النظام الطائفي فمن الطبيعي أن يعطي المشرع اللبناني السلطات الطائفية و المذهبية سلطة التشريع في الامور الدينية و الوقفية و الأحوال الشخصية. و أخيراً الرقابة على دستورية المعاهدات الدولية, فالمعاهدات الدولية يجب عرضها على مجلس النواب ليصدر موافقته عليها بموجب قانون صادر عنه و من ثم ينشر مثله مثل أي قانون عادي و بالتالي فإنه بأمكان إجراء الرقابة الدستورية عليها من قبل المجلس الدستوري. و لكن ثمة تخوّف من أثر إعلان عدم دستورية المعاهدة على علاقات لبنان الدولية فمن المستحسن إجراء هذه الرقابة على المعاهدة قبل إبرامها و المصادقة عليها. إذ يحق لكل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب و رئيس مجلس الـوزراء ولعشرة أعضاء من مجلس النواب على الأقل مراجعة المجلس الدستوري في ما يتعلق بمراقبة دستورية القوانين بالإضافة إلى رؤساء الطوائف المعترف بها قانونا في ما يتعلــق حصرا بالأحوال الشخصية وحرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية وحرية التعليم الديني.

       ثانباً, بالنسبة لعمل المجلس الدستوري بالنظر في الطعون الإنتخابية فهناك الطعن بصحة انتخابات رئاستي الجمهورية و مجلس النواب. فقد سمح بالطعن بانتخابات رئاسة الجمهورية و انتخابات رئاسة مجلس النواب و ذلك عبر تقديم طعن أمام المجلس الدستوري من قبل ثلث عدد أعضاء مجلس النواب على الأقل. أما بالنسبة للطعن بأنتخابات أعضاء مجلس النواب فيحق للمرشح الخاسر في الإنتخابات النيابية بحسب المادة 24 أن يقدم طعن بوجه المرشح الذي أعلن فوزه بالإنتخابات و ذلك بموجب طلب يقدمه إلى رئاسة المجلس الدستوري.

       و أما فيما يتعلق بفعالية المجلس الدستوري بالنظر بمدى مطابقة القوانين و أحكام الدستور, فقد تبين لنا أن الوضع يزداد سوءً و خاصةً بعد عام 2013 حيث وُصف الوضع "بالنكسة" التي تمثلت في غياب ثلاثة أعضاء عن جلسات النظر في قانونية التمديد الأول لمجلس النواب اللبناني، بحجة "تعذر إجراء الانتخابات في ظل الأوضاع الأمنية غير المستقرة". و هنا تبين لنا مدى نزاهة هؤلاء القضاة و بُعد الأيدي السياسية عن هذا المجلس الذي يعتبر "حارس الدستور". بالرغم من أن جميع النواب الذين يمثلون مختلف الأحزاب اللبنانية رفضوا شكلياً التمديد لأنفسهم إلا أنه تمّ هذا التمديد. ولكن قُدم طعن من قبل عشرين نائباً ينتمون إلى كتلة سياسية أمام المجلس الدستوري و كانت النتيجة مخيبة. فغياب هؤلاء القضاة كان بمثابة خدمة للأحزاب و الكتل النيابية التي أوصلتهم إلى هذه المراكز. بالإضافة إلى الفشل الكبير أو غياب هيبة هذا المجلس عندما قدم بعض النواب عام 2009 طعن بصحة القانون الإنتخابي آنذاك الذي كان ينص على إعتماد مختلف أنواع الدوائر الإنتخابية رغم وضوح التعديل الدستوري الذي جاء به إتفاق الطائف أي إعتماد وحدة الدوائر الإنتخابية أي أن تكون الدوائر نفسها في جميع المناطق اللبنانية. و صدر قرار عن المجلس الدستوري مؤكداً أن الدوائر التي يجب أن تعتمد في الإنتخابات هي الدوائر الموسعة المتماثلة على جميع الأراضي اللبنانية لكن بالرغم من صدور هذا القرار، بقي القانون على حاله و أُجريت الإنتخابات بصورة طبيعية.

       كلّ هذه الحوادث و الكثير غيرها قد أثبتت سيطرة الطبقة السياسية على كافة السلطات في لبنان حتى القضائية منها و التي من المفترض أن تكون مستقلة عن السلطتين التشريعية و التنفيذية. كما تثبت المراجعة التاريخية لأعمال المجلس وقوعه دائماً تحت سلطة مجلسي النوب والوزراء المكلفين بتعيين الأعضاء العشرة مناصفةً. وقد تبين لنا أيضاً أن المجلس الدستوري هو هيئة وُجدت لتجميل النظام اللبناني، وليس لوضع حدّ لتجاوزات الحاكمين فيه. وربما يكون الفشل في لعب الدور المنصوص عليه دستورياً، هو أبرز معبّر عن فشل السلطة في لبنان في تطبيق اتفاق الطائف، واقتصار الأمر على مجرد بعض مواده. و من المؤسف أن نسمع أحد أعضاء المجلس الدستوري يتحدث في إحدي المؤتمرات الصحفية عن مجلسهم بوصفه "واحداً من أهم مكتسبات الرقابة القضائية التي أقرتها وثيقة الوفاق الوطني في عام 1989"، لكنهم وقفوا عاجزين أمام الكثير من الأزمات الدستورية, إذا هل يعتبر فعلاً هذا المجلس "حارس الدستور" و حاميه من أي إختراق و تعدي أم هو مجرد حارس للأحزاب السياسية كي تبقى في الحكم؟ نتوقف أخيراً أمام إشكالية مهمة، أمام فشل القضاء الموكل إليه مهمة حماية المصالح العامة من هيمنة السياسيين و إستنسابية عملهم في السلطتين التشريعية و التنفيذية، الى من نلجئ في هذا البلد؟ 

تحقيق MAY 23, 2017
إستطلاع
مجلة آفاق الشباب
العدد 89 من نشرة آفاق الشباب
إقرأ المزيد