للحق والحقيقة ألف جولة وجولة...
الموقف FEB 08, 2021

شكّل اغتيال الناشط الشيعي لقمان سليم، المعارض لميليشيا حزب الله، أو إذا صحّ التعبير المعادي للنموذج الإيراني ومشروعه، صدمة مدوّية أشعلت في قلوب اللبنانيين أوجاعاً كانت قد همدت مع تراجع وتيرة الاغتيال السياسي في السنوات الأخيرة وأعادتهم في الذاكرة إلى سلسلة اغتيالات نفذتها أيادي الإرهاب وخلاياها التي نخرت جسم الدولة ومفاصلها في مرحلة ما بعد خروج الاحتلال السوري. صحيح أن هذه الاغتيالات التي نُفذت بسبب المواقف الداعية إلى وحدة لبنان وسيادته واستقلاله بقيت من دون محاكمة، إلا أن المتهم والمجرم والمنفّذ واحد واللبيب من الإشارة يفهم.

 

على وقع الخبر، أُعيد وتفتّح الجرح الذي ظل ينزف على مدار سنوات طويلة منذ اغتيال رئيس مجلس الوزراء السابق رفيق الحريري ووزير الاقتصاد السابق باسل فليحان، مروراً بسمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني وبيار الجميل ووليد عيدو وأنطوان غانم وفرانسوا الحاج ووسام عيد ووسام الحسن ومحمد شطح، ووصولاً إلى جوزيف بجاني فلقمان سليم. وها هو لقمان ينضم اليوم إلى قافلة شهداء ثورة الأرز؛ ثورة الحق والحقيقة في وجه الظلم والطغيان. ها هو اليوم يسطر اسمه بحروف من دم على لائحة الشرف، ويحمل وسام الشرف برتبة "حرّ".

 

إغتيال لقمان سليم ما هو إلا دليل على الجبن والضعف: القاتل خائف ومن إفراط خوفه يقتل. من يعتقد أن لغة الدم هي وسيلة للوصول إلى حل هو مخطئ وواهم. إذ لم تؤدِ الاغتيالات والحروب يوماً إلا إلى المزيد من الفوضى وانهيار مقومات الدولة وركائزها. فالعنف يوّلد العنف ويخلّ بالتوازن الأمني ويهدد الاستقرار في البلد. ومن يعتقد أن باعتماده لغة الغدر والقتل والترهيب يمكنه إسكات الرأي الآخر ومصادرة القرار هو غريب عن الحقيقة ومتنصل للتاريخ، لأن شريعة الغاب لا ولم ولن تطبّق على من يستنشق هواء الحرية ومن يعشق النضال والمقاومة.

 

في مطلق الأحوال، إن القوى السيادية التي تهتف باستقلال لبنان وحريّته والتي اتخذت المقاومة السلمية كمنحى لمسار تحقيق مشروع قيام الدولة تحت شعار "لبنان أولاً"، ستنتصر حتماً في نهاية المطاف لأن مشروع الطرف الآخر توضحت معالمه أمام اللبنانيين والرأي العام. مشروع باء بالفشل الذريع في محاولاته المبطنة والوهمية لبناء الدولة وأوصل لبنان إلى الانهيار ووضعه في عزلة عربية ودولية ساهمت في تردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية وقاربت ما يعرف بمجاعة 1914.

 

وعلى الرغم من تحويل لبنان على يد هذا الفريق إلى ساحة مستباحة للصراعات الخارجية واستخدامه للغة العنف والقتل بهدف الإمساك بزمام الأمور والسيطرة على السلطة ومفاصلها، إلا أن هذه اللغة ستؤدي حكماً إلى هزيمته فكل ما هو مبني على باطل هو باطل. مشروع شارف على نهايته بعدما أوصل لبنان إلى الحائط المسدود.

 

وبعيداً عن كل الحسابات السياسية، عبّر الشعب اللبناني عن مدى استياءه من هذا الفريق في انتفاضة 17 تشرين مشيراً إلى فشله في إدارة الدولة ومصوباً عليه أصابع الاتهام بالتخريب وإيصال البلد إلى ما هو عليه اليوم. وأعرب عن إرادته في التغيير وصلابته في التصميم على بناء الدولة والجمهورية القوية.

 

مهما حاول هذا الفريق التضييق على الأصوات الحرة ظناً منه أن بطلقات كاتمة الصوت يمكنه إسكات صوت الحق، فلن يرحمه التاريخ ولن يبقى في ذاكرة الوطن إلا أعماله غير الوطنية والمعادية لأبناء بلده. لقمان سليم، وبقلمه الحرّ والجريء، هزّ أركان الظلم والطغيان وأعطى بشهادته درساً للأجيال القادمة بأن الظالم سيأتي يوماً ويخسر في ميدان الإنسانية. فإذا كان للظالم جولة فإن للحق والحقيقة ألف جولة وجولة.

الموقف FEB 08, 2021
إستطلاع
مجلة آفاق الشباب
عدد استثنائي
إقرأ المزيد