الشهادة... يا حبر الزّمن!
نقلاً عن SEP 06, 2019

نقلًا عن نشرة مجلة آفاق الشباب - العدد 86

لمّا بدا أنّ صوت أجراس كنائسنا مهدّد بالخفتان، وأنّ شلوح أرزنا قد تهزّها الرّياح أتوا ضمانةً لوجودنا وبقاءنا، ضُربت عصا موسى ثانيةً فانشقّ سواد الصّمت والخوف بصوت مقاومٍ يهتف: نحن هنا!

 

هم من انتهجوا مسيرةً من النضالات بدأت مع تلامذة مارون ولم تنته مع حتّى لحظتنا هذه،

ومن أرادوا للبنانهم أن يكون حرًا ومرقدًا للعيش السّليم الآمن لأبنائه.

إنّ التّعريف الحقيقي لشهداء المقاومة اللبنانية لا ينحصر فقط بكونهم الأبطال البواسل الذين سقطوا خلال الحرب اللبنانيّة الأخيرة زودًا عن ايمانهم بل أيضًا هم كلّ من سبقهم وتجنّد لحماية لبنان فروى بدمائه شلوش أرزه.

 

خلال كافّة عهود الإحتلال برزت نواة من بين المواطنين كانت ركيزة للنضال والسّعي نحو الحرّيّة، وممّا لا شكّ فيه أنّ شباب المقاومة المسيحية اللبنانية والذين توحدوا عام ١٩٧٦ تحت ذراع القوات اللبنانيّة كانوا هم من قادوا مسيرة التحرير والتّحرّر من استبداد الفلسطينيين والسوريين وباقي برابرة حرب الغرباء في لبنان.

تلك النّخبة جاءت خلفًا لنخبٍ قد مهّدت طريق السيادة سابقًا.

 

في عهد المماليك، لم يرضخ مثلًا مسيحيو الحبّة الموارنة، بل قاوموا بطاركة وكهنة ورهبان وفلاّحين فالتجؤوا لعاصي الحدث وغيره من مغاور وأديرة الوادي المقدّس حيث استشهد معظمهم...

أيضًا، وخلال الحقبة نفسها سقط أبو كرم الحدثي(١٥٨٥- ١٦٤٠) فارسًا شهيداً مفتديًا البطريرك الماروني وأعوانه، متوّجًا بذلك مسيرة مقاومة دامت لسنين عديدة.

لتظهر بعدها مقاومة مسيحيّة بوجه بطش العثمانيين مع يوسف بك كرم وأعوانه عبر ثورة الفلّاحين التّاريخيّة والّتي دفع المسيحيون ثمنها مئات من الشهداء الأبرار.

 

١٣ نيسان ١٩٧٥: اندلعت شرارة الحرب الأهلية اللبنانيّة بعد مشاغبات وتقلت أمني فلسطينيّ هدّد أمن المسيحيين في مناطقهم، فسعى هؤلاء الى الجفاع عن وجودهم عبر لجوئهم للمقاومة العسكريّة.

سعى المسيحيون لتحرير مناطقهم وازالة مخيمات الفدائيين في ضبيه وتل الزعتر وجسر الباشا والكرنتينا فنجحت مقاومتهم بكف المضايقات الفلسطينية بحق المسيحيين دافعة لقاء ذلك عشرات الشهداء ثمنًا للكرامة والبقاء.

 

تباعًا، خلال العام ١٩٧٥ دخل لواء كامل تابع للجيش السوريّ الأراضي اللبنانيّة عبر البقاع معتديًا بذلك على سيادة الدولة اللبنانيّة، ليدخل بعدها بشكل رسميّ في تسرين الثاني عام ١٩٧٦ تحت حجة وقف القتال بين اللبنانيين وحمتية المسيحيين من هجمات الفلسطينيين خاصّةً وأنّ مشروع تحويل لبنان لوطن بديل للفلسطينيين كان الأهم بالنسبة للاسرائيليين لضمانة أمن بلادهم الداخليّ، إلّا أنّ النّوايا الحقيقيّة للسوري كانت قد ظهرت عبر تصاريح المسؤولين السوريين:" ان لبنان وسوريا بلد واحد وشعب واحد لكن بحكومتان".

لم يقف شباب المقاومة المسيحيّة على حياد من التعديات السورية بحق الوطن، بل اختاروا كما أسلافهم الخيار الأصعب: السعي وراء الحرية حتّى الرّمق الأخير...

فحينما ظنّ الطّامع أنّه قادر على كسر عزيمة أهل الشّمال واغتصاب أراضيهم في قنات وبلّا وغيرها من القرى الأبية في بشري جابهته متاريس المقاومين مسطرة أبهى الانتصارات العسكرية.

كذلك بالنسبة لحرب زحلة والأشرفية حيث الشّهادة كانت قرينة الانتصار المدوّي رغم صعوبة الظروف وشراسة العدوان.

 

حلم الوطن كاد يتحقّق مع وصول بشير الجميّل لرئاسة الجمهوريّة في ٣٢ آب عام ١٩٨٢ لولا أيادي الغدر السّوداء الحاقدة على الحرّيّة والسيادة والتي أسقطت الرئيس الجديد شهيدًا بعد ٢١ يوم من انتخابه...

رغم غياب شهيد الجمهوريّة، لم ينطفئ الحلم بوطن يعيش قيه جميع أبنائه متساويين مكرّمين، وطنٌ يكون ضمانة للحريات والحقوق...

فمع استلام سمير جعجع قيادة القوّات اللبنانيّة عام ١٩٨٦، عادت إلى صفوف المقاومين رغبة بناء الدّولة التي سرعان ما ترجمت داخل مناطق "الشرقيّة"...

 تلك النقلة النوعيّة التي عرفتها المنطقة أثارت رغبة إسقاط القوات اللبنانيّة وحكيمها لدى البعض الذي عمد إلى تشويه سمعة القوات عبر الضغط على وسائل الإعلام واغتيال قادتها لتحقيق أهدافه.

 

منذ آواخر عام التسعين واحترامًا لاتفاق الطائف، عمدت القوات اللبنانيّة اختارت القوّات اللبنانيّة المقاومة السياسيّة-السلميّة بدلاً من المقاومة العسكريّة، باقية بذلك على مبادئها و محافظةً على قضيّتها السامية. فاستغلّ النّظام السوريّ المحتلّ خطوة القوات السياديّة ليلجأ إلى أفظع أنواع الضغوطات عليها: اعتقالات بالجملة، فبركةٌ للتّهم، تعذيب واغتيالات بعد اتفاق الطائف وقع ضحيتها عشرات الشهداء:  سامي أبو جودة عام ١٩٩٠، ايلي ضو عام ١٩٩٠، سليمان عقيقي عام١٩٩٤، نديم عبد النور عام١٩٩٢...

 

في ٢٧ شباط ١٩٩٤، قام الجهاز الأمني السوري-اللبناني المشترك بتفجير كنيسة سيدة النجاة في الذوق والذي سقط جرّاءه عشرة شهداء.

اتّهم النّظام القوّات اللبنانيّة بتفجير الكنيسة وعلى الفور عرفت القوّات موجة من الاعتقالات التعسّفيّة.

لم تكن عمليات الاعتقال والتحقيق انسانيّة على الاطلاق، بل تعرّض الرفاق لأبشع أنواع التعذيب والتي توفي تحت ضغطها الشهيد فوزي الراسي عام ١٩٩٤.

حُلّ الحزب... الّا أنّ روح "القوّات" بقيت نفسها، وسرعان ما تجلّت في قلب الجامعات والمدارس مع مصلحة طلّاب قد صمّمت على كسر القيود وتحطيم سلاسل الاحتلال... فدفعت مصلحة طلاب القوّات الثمن: رمزي عيراني وطوني ضو شهيدين على مذبح الوطن!

لم يكن لحبر الشهادة أن يجفّ إلّا وفي العام ٢٠٠٨،وبينما كان بيار اسحق ورفاقه ينشرون دعوات لقدّاس شهداء المقاومة اللبنانيّة، تعرّضوا لاطلاق نار وقع ضحيته اسحق شهيدا جديدا.

 

كُتب على الأحرار أن يؤدّوا ثمن حرّيّتهم...

كتب على القوّات أن تقدّم الشهداء في الحرب كما في السلم...

كتب علينا أن نذكرهم مع كلّ طلعة شمس...

 

أصواتهم في ضمائرنا، صورهم في وجداننا، وجوههم لم تفارق ذاكرتنا يومًا...

مسيرتهم مستمرّة... وهني بعدن ما راحوا.

المجد والخلود لشهدائنا الأبرار...

نقلاً عن SEP 06, 2019
إستطلاع
مجلة آفاق الشباب
العدد 86 من نشرة آفاق الشباب
إقرأ المزيد