هل ينقذ الغاز الإقتصاد اللّبنانيّ؟
تحقيق MAR 26, 2020

بسبب الوضع الصّحّي الأمني العصيب الذي فرضه فيروس كورونا، وتعذّر توزيع مجلّة آفاق الشّباب، إليكم تقرير "هل ينقذ النّفط الوضع الإقتصادي في لبنان؟"، من العدد ٨٨ من مجلّة آفاق الشّباب.


لبنان اليوم أمام مشهدٍ جديد. فلأوّل مرّةٍ، تعثّر لبنان عن دفع مستحقّاته الماليّة بالعملة الأجنبيّة، ما يُعرف باليوروبوندز. أمّا الأزمة الإقتصاديّة الماليّة والمصرفيّة، مازالت تتفاقم لتأثّر على جميع الشّرائح الإجتماعيّة، وترفع نسبة الفقر إلى أرقامٍ مقلقة. من الجانب الآخر، الكثير يعوّل على قطاع النّفط والغاز لينقذ لبنان من أزمته الإقتصاديّة. فهل استخراج الغاز هو الحلّ؟

 

١-التّنقيب الإستكشافيّ عن النّفط بدأ:

دخل لبنان مرحلةً جديدةً في قطاع الغاز والنّفط، تعرف بمرحلة "الإستكشاف"، مع وصول باخرة الحفر Tungsten Explorer المنطقة الإقتصاديّة الخالصة في مياهه، خلال شهر شباط٢٠٢٠. هذه المرحلة بدأت بعد توقيع عقد "مشاركة الإنتاج"، بين الدّولة والكونسورتيوم، المكوّن من ٣ شركات: شركة توتال الفرنسيّة (وهي الشّركة المشغِّلة)، شركة آني الإيطاليّة، وشركة نوفاتك الرّوسية، في بلوك رقم ٤ وبلوك رقم ٩. بدأ حفر أوّل بئر في بلوك ٤، وسيستمرّ لمدّة ٦٠ يومًا، بعدها تبدأ الشّركة بتحليل بيانات الحفر.

 

٢-السّيناريوهات المُفترضة:

تفرض عمليّة التّنقيب الإستكشافيّ ٣ نتائج محتملة، لا رابع لها. وهي كالتّالي:

١- السّيناريو الأوّل: عدم اكتشاف أيّة مواردٍ، بحيث يُعتبر البئر في هذه الحالة جافّ. من بعدها تنطلق الشّركة لحفر بئرٍ آخر في بلوك رقم ٩؛

٢- السّيناريو الثّاني: اكتشاف كمّيّةً كبيرةً من النّفط والغاز؛

٣- السّيناريو الثّالث: عدم وضوح النّتائج، والحاجة إلى دراساتٍ وتحاليل تستغرق ٦٠ يومًا، لاستنتاج ما إذا كان الإكتشاف تجاريّ، أي إذا ما كانت كمّيّته كافيةٌ، لتغطية الكلفة والرّبح.

 

٢- ماذا يتوقّع المواطن من الإستكشاف؟

السيناريو الأكثر ترجيحًا هو الثّالث، بخاصّةٍ وأنّ العمل يجري على عمقٍ أكثر من ١٨٠٠ كم من سطح المياه، ما يحتاج الكثير من التّقنيّات الحديثة والدّقّة في التّحاليل. وتعتبر شركة توتال، أنّ احتمال وجود كمّيّة تجاريّة عند حفر أوّل بئرٍ يراوح ال ٢٥%. لكنّ المعلومات والبيانات، ستساهم بزيادة المعرفة، حول النّوعيّة الصّخريّة في قعر البحر اللّبنانيّ، وزيادة فعاليّة الحفر في البئر الثّاني. تجدر الإشارة إلى أنّه في حال عُثر على كمّيّة تجاريّة عام ٢٠٢٠، لا يبدأ الإستخراج قبل عام ٢٠٢٩، أي بعد حوالي ٩ سنوات. ما يعني أنّ واردات النّفط، لن تبدأ بالتّدفّق في أيّ وقتٍ قريب. أمّا الحديث عن أرقام وكمّيّات العائدات، فهو أمرٌ مبكرٌ جدًّا. صحيحٌ أن الدّراسات الجيولوجيّة (2D و3D) ترجّح وجود بترول في بحر لبنان، لكنّ التّأكيد ومعرفة إذا كانت الكمّيّة "تجاريّة"، لا يمكن أن يحصل قبل الحفر.

 

٣- لبنان: بلدٌ مصدّرٌ للنّفط أو الغاز؟

ترجّح الدّراسات المتوفّرة حتّى الآن، وجود كمّيّات من الغاز أكثر من تلك للنّفط، ممّا يجعل لبنان إحتمالًا، بلدًا مصدّرًا للغاز. ولكن، عدا عن الصّعوبات التّقنيّة لإستخراجه، فإنّ تصدير الغاز أصعب بكثير من تصدير النّفط، لأنّه بحاجةٍ إلى طلبٍ من سوقٍ قريب. فضلًا عن ذلك، فإنّ نقله يتطلّب أنابيبًا تمدّ السّوق مباشرةً من لبنان، أو تسييل هذه المادّة وتصديرها في بواخر. أمّا الصّعوبة، فتكمن في كلتا الحالتين.

 

٤- في حال استخراج الغاز، أين سوقه؟

من الواضح أنّ بعض الدول المجاورة تخوض سباقًا حاميًا مع لبنان، للحصول على جزءٍ من السّوق الأوروبّي، كما أنّها تسعى لتطوير خطوط أنابيبها. هكذا، يصبح لبنان متأخّرٌ في إيجاد أسواقٍ لتصدير الغاز، وإنشاء البنى التّحتيّة اللّازمة. في الوقت نفسه، على لبنان تطوير سوقه الدّاخليّ، لاستعمال الغاز بدل المشتقّات النّفطيّة الأخرى، عند الإمكان. صحيحٌ أن الإيرادات لن تأتي في أيّ وقتٍ قريب، إلّا أنّ لبنان يستطيع الإستفادة من بدء مرحلة الإستخراج، وبالأخصّ من خلال ما يلي:

- وفود شركات أجنبيّة، يزيد حجم الإستثمارت في لبنان؛

- القوانين البتروليّة اللّبنانيّة، تفرض على الكونسورتيوم إعطاء الأوّليّة للشّركات اللّبنانيّة على الشّركات الأجنبيّة، في العمل معها، إذا كانت توفّر الخبرات التّقنيّة اللّازمة؛

- على الكونسورتيوم توظيف لبنانيّين بنسبة لا تقلّ عن ٨٠% من كافّة العمّال، والعمل على تطوير إمكانيّاتهم التّقنيّة في هذا المجال.

 

٥- هل غدى لبنان دولة نفطيّة؟

صحيحٌ أنّ التّنقيب الإستكشافيّ بدأ، لكنّ هذا لا يعني أنّنا أصبحنا اليوم بلدًا نفطيًّا، لنُطلق على أنفسنا هذا الاسم. بل، لكي نُصنّف من البلدان النّفطيّة، يجب التّأكّد أوّلًا من وجود كمّيّاتٍ تجاريّةٍ للغاز، ومن إمكانيّة تصديره. لهذا، على لبنان أوّلًا، العمل على إدارة التّوقّعات وعدم وعد المواطنين بوجود الكمّيّات اللّازمة، قبل التّأكّد منها.

 

٦- هل يتّكل لبنان على النّفط للخروج من المأزق الماليّ؟

أوّلًا، من أخطر التّدابير هو التّعويل على قطاعٍ واحد بالخلاص الإقتصاديّ، وبخاصّةٍ أنّه من المحتمل ألّا يكون ذا حجمٍ كبير؛ فيتحوّل القطاع هذا من نعمةٍ إلى نقمة. فإن اتّكل الإقتصاد اللّبنانيّ الغير إنتاجيّ، على أنّ النّفط كفيلٌ بإغلاق فجوات تعثّره، ستقلّ قدرته الإنتاجيّة أكثر فأكثر، وبدل الخلاص نصل إلى خراب أكبر. لا يجب أن يتّكل الإقتصاد اللّبنانيّ على القطاع النّفطيّ للخروج من الأزمة. بل، عليه إيجاد حلولٍ مستدامةٍ للأزمات الإقتصاديّة، على أن يبقى صندوق النّفط والغاز حقيبةً سياديّةً بالمنأى عن أيّة وزارة أخرى، وعن أيّ تدخّلٍ سياسيّ.

ثانيًا، على لبنان البدء بالعمل على خطط التّصدير والإستعمال الدّاخليّ للغاز. هذه الخطط، يجب أن تأخذ بعين الإعتبار الأسواق المحتملة، وكيفيّة الوصول إليها بالكلفة الأدنى، ليبقى السّعر تنافسيًّا.

ثالثًا، في قانون الموارد البتروليّة البحريّة ٢٠١٠، كان واضحًا أنّ عائدات القطاع "ملك" الأجيال القادمة، ما يعني أنّ على اللّبنانيّين المحافظة على هذه الأموال، وعدم صرفها، ووضعها في الصّندوق السّياديّ، لكي تستفيد منها الأجيال القادمة. إذًا، فكرة سداد الدّين العام من خلال هذه الأموال، لا تعكس فلسفة القانون الأساسيّ.

أمّا رابعًا وأخيرًا، فعلى اللّبنانيّين مراقبة هذا القطاع عن كثب، لأنّه من القطاعات الأكثر عُرضةً للفساد في العالم. ومن المعروف أنّ بلدان كثيرة لديها كمّيّات أكبر من الكمّيّات المرجّحة في لبنان، وهي بلدانٌ فقيرةٌ جدًّا كنيجيريا وفنزويلا، حيث قلّةٌ قليلةٌ فقط من المواطنين يستفيدون من ثرواتها النّفطيّة.

تحقيق MAR 26, 2020
إستطلاع
مجلة آفاق الشباب
عدد استثنائي
إقرأ المزيد