جائحة المناسبات تثبت أنّ اللبناني لم يفقد الأمل
مساحة حرة JUL 25, 2021

"انشاء الله عقبالكن، قربانة مباركة، ينعاد عليكن، مبروك ما عملتو، الله يتمّم على خير"... جاء فصل الصيف وحمل معه المناسبات والأفراح وتحضيرات الثياب والشعر والتبرّج، وبات في كلّ شارع صوت طبول وفرق زفة، وزينة تملأ شرفات المنازل، وصالات المطاعم امتلأت وأصوات الموسيقى تصدح في كلّ الجهات، ومعها المواكب السيارة وزغاريد الأفراح والألعاب النارية.


بعد قراءة المقدمة، قد يعتقد البعض أنني أتحدث عن بلدٍ آخر غير لبنان الواقع في الأزمات والغارق في المشاكل، لكنّني بالحقيقة أخبر عن شوارع لبنان ومطاعمه وأفراحه. فهذا الوطن الذي يعاني، يأبى الاستسلام؛ وما أفراح شعبه المجروح إلا دليل واضح على الرغبة في العيش... العيش الكريم.


وعلى الرغم من تراجع نسب الزواج والإنجاب، واقتصار الاحتفالات على المقربين فقط بسبب الخوف من انتشار فيروس كورونا، عدا عن الإمكانيات المادية الضعيفة للشعب اللبناني الذي بات بمعظمه من الطبقة الفقيرة، إلّا أننا ما زلنا نرى الكثير من المناسبات السعيدة؛ وبحسب ما قال لي أحد الأصدقاء: "الدني بتهزّ بس ما بتوقع". نعم دنيا اللبنانيين تهتز - وتهتزّ بقوةٍ ربّما- لكنّها لن تقع، وان حصل ووقعت من شدّة المصاعب، فما لها إلا الوقوف مجدّدًا.


لا يمكن لنا أن ننكر شدّة الأزمات، لكننا شعب من فولاذ. لا نستسلم ولا نيأس. لا نتوقف عن المحاولة، ونؤمن بشدّة أننا سننجح. يهدّدوننا بجهنم الموت فنحتفل "بالمغلي" للمولودين حديثًا. يهدّدوننا بتشويه مستقبلنا وشبابنا، فنردّ بجمال وجوه أبنائنا المبتسمة أمام المرايا. يهدّدوننا بنواحٍ وإبادة، فنردّ بزغاريد الأعراس والخطوبة. ينعتوننا بالفاشلين، ونردّ بحفلات التخرج والطلاب المتفوقين. يهدّدوننا بالركوع أمام الأزمات، ونردّ بركعات وسجدات في الأعياد الدينية السعيدة... ثمّ نقف. كلما اشتدت الأحوال، عرفنا أننا نقترب من الفرج المنتظر.


صدق من قال يومًا "ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل". وأمل اللبناني اليوم ما زال ينبض أفراحًا تضيء ظلمة ليلنا العابر، وأفراحًا تعبر لساعات نخرج خلالها كل الضيق الذي يخنقنا، لكنها تبرهن أننا مازلنا عشاق الفرح وهواة السعادة، وأن في قلوبنا آمال كثيرة وأحلام لا تنتهي، وأننا نرغب في بناء المستقبل المشرق الذي نستحقه، مستقبل لا حزن فيه ولا نواح، بل أفراح لا تنتهي، ومستقبل لا يحمل فيه الوالد نعش ابنه، ولا تزفّ الأم شهيدها.


لقد شبّهوا لبنان دومًا بطائر الفنيق الذي يخرج من الرماد ويعود إلى الحياة؛ أمّا أنا اليوم، فسأشبّهه بطائر العندليب، طائر الصباح الذي يستيقظ قبل كل الطيور، ويرفع صوت تغريده كلما ارتفعت الأصوات من حوله. وما أن يحلّ الليل وتصمت كل الغابات، يظلّ صوته الجميل يعزف أجمل الألحان، فيخفّف صمت الليالي المخيف إلى أن يحلّ الصباح مجددًا... ويستيقظ قبل كل الطيور.

مساحة حرة JUL 25, 2021
إستطلاع
مجلة آفاق الشباب
عدد استثنائي
إقرأ المزيد