الوظيفة اللبنانية... لبنانية
تحقيق AUG 19, 2017

"هل تعمل؟" ... "لا"
"ماذا تعمل؟"... "شيء لا يمت بأي صلة إلى شهادتي"

 

كم من مرة في النهار نسمع تكرار هذين السؤالين مع الجوابين التابعين لهما؟
إجابتان تلخصان حياة المواطن اللبناني في وطنٍ كان من المفترض أن يكون الآوي له. فما هي أسباب المشاكل المتعلقة بالتوظيف والعمل في لبنان وما مجرياتها وتعقيداتها؟

 

في بلدٍ يأوي عددًا من الأجانب قد بلغ أكثر من ربع عدد سكانه في الفترة الأخيرة بسبب الحروب في المناطق المجاورة، أصبحت المنافسة على الوظيفة صعبة، خاصة أن اليد العاملة الأجنبية كثيرة وتكتفي بالمردود القليل لأتعابها. فيما المواطن اللبناني 


أساسًا يجتهد ليتعلّم وليبلغ أرقى مستويات العلم لتحصيل الشهادات اللتي تؤهله لوظائف مهمة داخل لبنان وخارجه. هذا المواطن في بلدٍ طبيعي يستطيع إيجاد وظيفة  تؤمن له العيش الكريم والمحترم. أما في لبنان فهو غالباً ما يُستبدل بموظف اجنبي. حتى أن في بعض الشركات، صارت طلبات التوظيف تتضمن جملة :"لا يهم الجنسية"، فتشرّع الوظيفة للجميع، ما هو طبيعي في المنطق العلمي لفرص العمل، لكنه بعيد عن المنطق بما يتعلّق بحماية الدولة لمواطنيها وتنظيم  القوانين التي تحمي لهم أفضليتهم في الوظيفة داخل بلادهم. من الطبيعي لشركات القطاع الخاص، أن تفضل أحيانا العامل الأجنبي، لأنه يرضى بما هو أقلّ بكثير ممّا يحتاجه المواطن اللبناني ليؤمّن العيشة الكريمة له ولعائلته. أما العامل الأجنبي فيرى هذا المبلغ بمثابة ثروة، يسكن فيها في منزل مشترك بسعرٍ زهيد ويعيش في ظل أدنى مستويات العيش.

 

ويبقى اللبناني في منزله، عاطلاً عن العمل، متحسراً على جهده الذي لم يؤدي إلى أي نتيجة. وبهذه الطريقة، أموال الخزينة والدولة اللبنانية تصرف على أناسٍ من مختلف الشعوب حول العالم: سورية، مصر، السودان، بنغلادش، سريلانكا... في الوقت الذي يجب أن تصرف على الشعب اللبناني الذي سيعيد تداولها في لبنان وبهذه الطريقة ينمي الإقتصاد اللبناني بدل عامل أجنبي سيحوّل العملة اللبنانية إلى عمل أجنبية يرسلها إلى بلدٍ أخر.

 

توظيف العمال الأجانب أصبح "موضة" في لبنان وما اللوم إلا على رب العمل الذي يحاول توفير المال الذي هو من حق أخيه اللبناني وليس عامل أجنبي أو عاملة أجنبية لا يمتوا له بأي صلة. ففي المنازل أصبحت عاملة المنزل أجنبية والناطور أجنبي وعامل الحديقة أجنبي وهلم جر. والعجيب الغريب أن بعض أهم الشركات في لبنان أو المطاعم أو المنتجعات أصبحت تعطي أكثر من نصف وظائفها  للاجانب. منذ أيام،  إتصل صديق بشركة غذائية لبنانية معروفة منذ عشرات السنين، وإذ بالموظف الذي يتلقى الإتصالات في المكتب الرئيسي لا يتكلم بلهجة لبنانية، أي أنه ليس لبنانيًا. ولا ننسى فضلًا عن ذلك محلات الملابس التي توظف فتيات غير لبنانيات تتقاضى ربع راتب اللبنانية. هذا وضع مأساوي لا شك فيه وهو غير مقبول واللبناني قد إستنزف جميع طاقته. لا أحد يستطيع أن يقنعنا أن ما من قدرة للمحلات والشركات لتوظيف عمال أو موظفين لبنانيين لأنه منذ بضعة سنين ما كان الموظفون إلا لبنانيون وكانوا يتقاضون رواتبهم الطبيعية.  

 

لربما يقع اللوم على الدولة التي لا تحاسب ولا تسأل. لو وضع قانون ينص على طريقة توظيف معينة ومعاشات معينة يتقاضاها اللبناني الأجنبي فعندها قد نصل إلى حل لهذه الأزمة. 

 

إنه عارٌ أن نرى رجل مسن أو إمرأة لبنانية، باطلين عن العمل، يجتهدون ليجدوا وظيفة أو يقدمون كل ما في طاقتهم لإتمام الوظيفة على أكمل وجه ليؤمنوا بها لقمة عيشهم وفي المقابل، بين ليلةٍ وضحاها، يأتي صاحب العمل ويستبدلهم بعامل أجنبي براتب أزهد. عندها، يرى أرباب العائلة نفسهم عاجزين عن تعليم أولادهم علماً راقيا، قد يمنعهم من الوصول للمستويات المطلوبة في المستقبل. أو كيف نقف صامتين عندما نرى رجل أو إمرأة في الطرقات يحاولون أن يحصلوا على مبلغٍ من المال ليأكلوا، والأولاد أيضاً أحياناً يجولون الطرقات ويبيعون ليعيشوا. وحتى التسوّل أصبح بمعظمه للأجانب! فهل يكملون حياتهم على الطرقات ببساطة لأن أهلهم لم يستطيعوا توفير لهم حياة طبيعية كباقي الأطفال وذلك بسبب بطالتهم؟

 

في النهاية، نأسف على الحال التي وصلت إليه بلادنا، وعلى شعب مثابر تسلب منه وظيفته وتتلاشى أمواله لتقع في أيدي شعبٍ آخر وبلد آخر. ويأتي نداؤنا إلى جميع أصحاب المؤسسات والشركات وإلى الجهات المختصّة في الدولة، لإيجاد حل دائم وفعال لهذه الأزمة.  فالبطالة، ونعني بذلك بطلاة المواطن اللبناني، أصبحت عبء لا يطاق وعار على مجتمع لطالما استطاع الوقوف والإستمرار. ولكن إلى متى؟  إلى متى تبقى تأشيرة الهجرة، السبيل الوحيد نحو العيش الكريم ؟

تحقيق AUG 19, 2017
إستطلاع
مجلة آفاق الشباب
عدد استثنائي
إقرأ المزيد