انا الطالبة؟ «مقاوم» في القوات اللبنانية!
نقلاً عن JUN 11, 2019

تعرفون؟ أنا أحسدكم! لو عاد بي الزمن شوي الى الوراء، لجلست الى مقعد في الجامعة وعلّقت على زمني تلك الصفة «طالبة». لا، ليس لأني احب الدرس، ابدا ابدا على العكس تماما، فأنا لم اكن يوما متفوقة، ودائما علاماتي ع الحفّة، وبالكاد تجاوزت صفوفي او «بالحلاش» كما نقول في الضيعة، ليس لعدم توافر الذكاء اؤكد لكم رفاقي الطلاب، لكن لان الافكار الكبيرة في رأسي الصغير، كانت مجنونة تسبح في غير مكان على الاطلاق، خلف زجاج مقعدي الصغير في المدرسة كما في الجامعة، كانت شياطيني حاضرة دائما، تنطنط على هواها، مخترقة كل القوانين والانظمة والدروس والامتحانات وما شابه، كان في رأسي الصغير والشعر الناعم المسدول، مقاتل عنيد يحمل بندقية ويقف الى الجبهات، صحافي يحمل القلم وتنهال الحروف مدافع، وأتعمّد التكلم بصيغة المذكّر لأني وحتى اللحظة، كنت احلم ان اكون رجلا، فقط لأحقق حلمي في ان اكون مقاتلا في القوات اللبنانية، يشبه اما بشير الجميل او لاحقا سمير جعجع وطبعا ما استطعت! شاءت السماء ان اكون فتاة، وربما حسنا فعلت في اختيارها لا اعرف، لكن وانا الى مقعدي هناك فوق الكتب والدفاتر والمحاضرات، قررت ان اكون «مقاتلة» بقلمي، بعدما استسلمت لقدري اني امرأة، واعجبتني الصفة لاحقا بعدما اكتشفت ان لكل منا في المقاومة متراس، في الحرب كما في السلم، رجلا كان ام امرأة. 

رأسي الصغير ما استوعب ذات صباح، وانا بنت الضيعة التي عاشت قرويتها في كل تفاصيلها وحتى وهي في قلب قلب المدينة، ما استوعبت ذاك المشهد الذليل عند باب الجامعة اللبنانية: جندي احتلال سوري قاتم الوجه يقطر حقدا وهو يراقب الطلاب ويأمر زميلا له بتفتيش الحقائب والملابس، ويأمر ذاك وتلك ويتصرّف كأنه مالك الارض والناس وحتى السماء التي تظللهم. يومذاك ما كنت بعد محازبة ولم اكن اعرف ما يجب ان نفعل لنكون كذلك، كانت الدنيا حروبا وصراعات وشرقية وغربية ومتاريس، وحكايات عن شباب يأتون على غفلة الى الملاجئ والدنيا مطر قذائف، يحملون الينا المؤن والادوية وربطات الخبز، وكلما اطل شاب منهم وخرج يخرج قلبي معه وكأنه يصرخ له مستنجدا «دخيلك رجاع وقول لـ بيي يخليني روح معك»، كان هؤلاء الشباب طلابا في الجامعات، تركوا المقاعد وصار كتابهم الوطن وقلمهم بارودة. 

لم اكن اعرف اي ريح تلك تعصف بي كلما رأيت شابا بالبدلة الزيتية، يا الله شو حلو هالشب، اصرخ في اعماقي. وذات يوم، وكان نوّار الزهر والعذراء مريم، وصل شاب بالبدلة الزيتية اياها الى باحة الجامعة، يحمل كتبا ودخل بقامته الممشوقة ودعسة العنفوان تلك الى أحد الصفوف. «يا ربي شو عم يعمل هالمقاتل هون؟» وانتظرت لأسأله، «فيرا تعي شو بدك فيه يمكن يضربنا اذا حكينا معو، هيدا أزعر؟» قالت احدى رفيقاتي، واعتقد انها حتى اليوم ندمت لانها تفوهت بتلك العبارة، اذ شعرت انها صفعتني وليس اقل، واعتبرت انها اهانتني واهانت  كل هؤلاء الشباب، وتمنيتُ من قلبي ان يضربها فعلا «انتِ ما بتفهمي هودي عم يدافعو عنا بالليل وبيجوا ع الجامعة بالنهار يكفوا دراستن، ولك هيدا اشرف ازعر، فلّي من وجي» صرخت بوجهها كمن يستعيض عن الصفعة بالصراخ والشتيمة، وهربَت الفتاة، هربت وما زالت حتى اليوم، وعلمت لاحقا ان صاحب البدلة الزيتية مقاتل ولم اعرف اسمه، وانه اعتقل ولم اعرف في اي سجن، انه استشهد لاحقا ولم اعرف عند اي جبهة، كان طالبا مناضلا مقاتلا حلوا بالكرامة التي كللته، وفي تلك اللحظة بالذات، وبعناد الدنيا كلها، قررت ان اكون، ليس مثله اذ لا استطيع، قررت ان اكون مناضلة في صفوف القوات اللبنانية، ومن بعدها اي شيء آخر، طالبة عاملة متزوجة عزباء لا يهم، من مقعد الطالبة لبست بدلتي الزيتية ولو لم البسها فعلا، حملت بندقيتي قلمي صوتي عمري لأصبح قوات وأصبحت...

لاحقا وصلتنا اخبار ذاك المناضل، رمزي عيراني، لم اعرفه يوما ولكني اعرفه اكثر من اي رفيق له واكبه، كانت اخباره تتناهى الينا والدنيا احتلال ونظام امني لبناني سوري بغيض يلاحق الانفاس قبل الاجساد، وتحدى رمزي كل تلك المنظومة في قلب جامعات لبنان، كان الطلاب وقود الحرية والنضال، كانت تخيفهم الجامعات فيضيقون الخناق على الشباب، كانوا يعرفون ان طلاب القوات اللبنانية تحديدا، هم اكبر خطر يهددهم ومهما فعلوا لن يتمكنوا من قمع صوت الحرية النابض في اعماقهم، فلاحقوا الرمز، واغتالوه، استشهد رمزي عيراني ويومها تأكدت اكثر واكثر ان طلاب القوات هم قوة الحرية في لبنان... 

انا أحسدكم رفاقي الطلاب لسبب جوهري بعد، الحكيم! الحكيم يحبكم كثيرا، واكاد اقول أنتم الاحب والاقرب الى قلبه، هو نفسه بدأ نضاله يوم كان طالب طب في الجامعة الاميركية وتعرفون الحكاية. عندما اراقب عينيه وهي تحضنكم فردا فردا في «يوم الطالب» اقول «افف يا فيرا يا ريتني بهيئة الطلاب كنت هلأ معن عم نحتفل بمعراب» واهرع الى ابنة اخي اسألها «لارا انت مع الشباب بالجامعة مش هيك؟» تبتسم الصبية الحلوة البالغة النعومة «ما تخافي عمتو إي انا معن ورح ابقى»، خي أجيال بتسلم اجيال معو حق الحكيم. اما انا؟ انا ما زلت طالبة أحب هؤلاء «الزعران» الذين بأجسادهم ودمائهم وشجاعتهم وعلمهم صنعوا المقاومة وبقي لبنان، انا هناك طالبة اجلس الى نافذة الايام، وفي رأسي الصغير حكاية كبيرة عن وطن خرج من صفحات الكتب الى ساحات النضال وصارت مقاومة وصار الوطن ونحن الحروف الكبيرة والصغيرة، نحن وطن يا رفاق، لكن...ما زلت الى مقعدي احلم ان اكون ...مقاوما!

نقلاً عن JUN 11, 2019
إستطلاع
مجلة آفاق الشباب
العدد 85 من نشرة آفاق الشباب
إقرأ المزيد