"Hi, Kifak? Ca va?"
تحقيق JUL 04, 2017

لغة ناضلت من أجل الاستقلال وجعلت من متَّقنيها رجال،
لغة حرَّكت بخُبوِّ ساكنها قواعد العالم،
لغة هدَّدت بصلابة ضادها أقوى المستعمرات والأنظمة، رفعت القيم بضمَّة سامية فأضحت رسالة سلام وقداسة وأطلَقَت مفعولها ناصبَةً بين جذوع الأرز أعلام مواطنيَّة وثورة ووفاء.
لغة جعلت من جبران خليل جبران أديباً، من أمين الرِّيحاني ناثرًا، من إيليّا أبو ماضي فيلسوفًا ومن ميخائيل نعيمة مُفكِّرًا.


إنّها اللغة العربيَّة. اللغة التّي سكبت لبنان بلدًا للحرف في كؤوس التّاريخ والتّراث فطارت بيروت عروسًا للحضارة والثّقافة، وحملت الهويَّة العربيَّة اللبنانيَّة إلى غيوم الإبداع. إنّها اللّغة الأمّ، فهل من ولدٍ ينكر أمَّه؟


أمّنا بخطر وهويَّتنا على شفيرِ الهاوية، إذ إنّها تقع يوميًّا ضحيَّة ثورة تكنولوجيَّة شوَّهت بمخالبها رونق التّقاليد واستبدلته بصحراء ميكانيكيَّة قاحلة تتكلَّم بلغةٍ تجاريَّةٍ هامدة ورملها بساط غرائز ماديَّة لا محدودة. ففي لبنان، خنقت بشبكتها العنكبوتيَّة أنفاس اللّغة العربيَّة إذ تخلّى اللبنانيون عن لغتهم بحجَّة "العصر الحديث". لذلك، تُعتبر لغة التّواصل الاجتماعي أخطر أسلحة التطوُّر غير الشرعيَّة المتفشِّية في لبنان، فحوَّلت اللّغة العربيَّة اللبنانيَّة من حلقة ذهبيَّة زادت بلد الأرز شموخًا وتألُّقًا إلى حلقة عجز ميزانها تغطية ضريبة التقدُّم، فأصبحت الحلقة الأضعف.


للأسف، غدت قضيّة اللّغة العربيّة اللبنانية وحيدةً تنتظر صدور حكم إعدامها، ولم تعد تقتصر فقط على عوامل العلم والعولمة، بل انقلبت إلى قضيّة مظاهر اجتماعيَّة تحت عنوان "البريستيج"، إذ يتجاهل اللبنانيون لغتهم لِئلّا يفقدوا الصّورة الاجتماعية الرّاقية التّي تمنحهم إيّاها اللّغة الأجنبيَّة.


والويل لأمَّةٍ يخجل مواطنوها إتقان لغتها!


تلك اللّغة التي حاربنا فرنسا من أجلها وطالبنا بها ملكة بالمعاهدات والإتفاقيات، أين تمسّكنا بها اليوم؟ أين اندفاعنا لحمايتها من الأطماع الاستغلاليَّة؟  فأين استقلال الحضارة والتّراث واللغة من الاستعمار التكنولوجي الذي يفرض نفوذه على لبنان؟                            ما لا شكَّ فيه أنّ ازدواجيَّة الشرق والغرب في التراث اللبناني تفرض على مجتمعنا تعدّد اللّغات والثقافات خصوصًا مع تنوّع  الجاليات الأجنبيَّة ومدارسها في كافّة المناطق اللبنانية. لكن ذلك لا يبرِّر شبح اللا مبالاة للّغة العربية ومنطق الجَهل الذّي يسمح لأمّ أن تجبر أولادها التّكلّم  باللغات الأجنبيَّة لتعتبر نفسها سيِّدة مجتمع، ومنطق الادِّعاء الذّي يضع اللّغة العربيَّة بالمرتبة الأخيرة بحجَّة أنّها لا تتلاءَم والعصر الحديث!


وانطلاقًا من هذا الواقع المرير،  يمكننا مراقبة انعكاسات هذا الاستهتار اللغوي من خلال نتائج الامتحانات الرّسميّة في اللغة العربيَّة في لبنان، إذ يبشِّرنا المعدَّل المنخفض نسبيَّا للنّجاح أنّ الجيل الصّاعد لا يقدِّر قيمة لغته ولا يحسن استخدامها بشكلٍ سليمٍ إذ يجهل قواعدها وأركانها الأساسيَّة، ما يُوجِّه أصابع الاتهام على الأهل والمدارس أيّ البرامج التربويَّة وطريقة التّعليم بشكلٍ خاص. 


فكم من طالبٍ يستلم شهادته وهو لا يجيد كتابة جملة عربيَّة بسيطة ومفيدة؟ وكم من شابٍّ وشابَّةٍ لا يتكلمون حتّى اللّغة العربيَّة العاميَّة معتبرين أنفسهم أكثر معرفة وثقافة؟ فعبارة " هاي، كيفك؟ ساڤا؟ " تختصر واقع اللغة العربيَّة في مجتمعنا الذي يتخبَّط بين الإعصار والعصر الحديث. 


أخيرًا، أبجد هوَّز لغتنا ضحيَّة "عقدة الأجنبي"، ضحيَّة إعصار تكنولوجيّ عالميّ وجهل اجتماعي لبناني يدقُّ المسمار الأخير في نعش اللّغة العربيَّة الذَّهبيَّة. فمن نكر أصله لا أصل له. يجب إنقاذ عروس حضارتنا وهويّتنا قبل أن تدقّ أجراس الحزن وترثيها.

تحقيق JUL 04, 2017
إستطلاع
مجلة آفاق الشباب
العدد 88 من نشرة آفاق الشباب
إقرأ المزيد