كنزٌ لا يفنى
تحقيق JUN 18, 2019



من منّا لم يسمع عن العولمة؟ هذا الكوكب الكبير من الحداثة والتطور على كافة الأصعدة، بواسطتها لم يعد البعد عذراً، ولا التّواصل مستحيلًا، فمساحة الأرض مهما بلغت، أضحى الناس يعيشون في بضع أمتار مربعة. منذ نشأة العلوم مع نشأة الإنسان وكيفية تعامله مع جميع ظروف الحياة اليومية، شهدت البشرية العديد من الثورات العلمية الانتقاليّة التي لربّما غيّرت في مسار بعض المجالات من حيث مقوّماتها، منها ما فعّلتها وصعّدت من قيمتها ومميّزاتها، ومنها ما استبدلت بعنصرٍ أهمّ وأفضل.

في يومنا هذا، أصبح مجبورًا كلّ من يمسك القلم والورقة وهم طلّاب المدارس والجامعات في كامل مدّة تعليمهم، كذلك عدد من الموظّفين ورجال الأعمال والإدارات والمؤسّسات التي ما زالت تفرض بعض الأوراق في عملهم وأصبح أكثر استعمال هو الإمضاء، مع العلم أنّ العالم يحضّر ليومٍ يسمح لهؤلاء بإكمال الدراسة على أجهزة إلكترونيّة، وربّما غيرها من المظاهر التي بعدها في الحين رؤى. حسب القول اللّبناني: "الخير لقدّام"...

مع تمحور التطور حول الأجهزة الإلكترونية، أصبحت التكنولوجيا نواة للعديد من المجالات. ويوازي هذا التقدّم كما قلنا، بقاء ظلال في مجالات الأدب والصّحافة المكتوبة، بمعنى آخر تراجع ملحوظ في الإعلام الصّحفي كما انعدام الاكتراث في الكتابة على مختلف الأنماط. فما هو واقع القلم والورقة اليوم؟

بالنسبة إلى الصّحف والمجلّات، استطاع الناس بسرعة التخلي عنها، لا سيّما بحلول التلفاز وبرامج الخليوي والإنترنت، طبعاً وأنّ بث الأخبار المتنوعة ملأت هذه الوسائل الأخيرة بمختلف الأوقات والأساليب، لا تتطلب متابعتها التوجه إلى مكتبة وشراء صحيفة يومية أو مجلة أسبوعية أو شهرية أو فصلية... وبالتالي تناساها الناس وانخفضت قيمتها المادية، مع أنّ هذه الأخيرة ما زالت بسيطة جدّاً ولا تصنف بالغة الثمن لذا أصبح الطلب عليها يتضاءل مع الوقت إلى حين إغلاق العديد من دور نشر الصحف. حاولت أيضاً جريدة النّهار لفت النظر أكثر بإصدارها صحيفة بتاريخ 11 تشرين الأول 2018 بصفحات بيضاء في مقدّمتها، واعتبرتها رسالةً مؤلمةً في تاريخ الصّحافة وما يربطها من شهداء في العالم عامّة وفي لبنان خاصّة.

بالنسبة إلى الأدب، نذكر أنّه أكثر من علم، بل هو فنّ. بقدر ما يجمع تاريخ الحضارات شعراء وأدباء تناقلت أعمالهم وأسماءهم بين العصور حتّى وصلنا إلى حقبة بدأت فيها لائحة الرواد من قرّاء وكتّاب تتضاءل. نسلّط الضّوء مجدّدًا على بروز وسائل ترفيهية ومثيرة أكثر تعدّت على الفنون ولامست تدهوراً  في الحفاظ على الأساليب المهمّة كما أشارت إلى انخفاض نسبة القراء عند المجتمعات الناهضة تاركين وراءها المطبوعات.كذلك تراجع العاملين في كتابة الشعر والروايات، وهنا نشدّد على اللّغة العربية، اللغة الأمّ، الضّحية الأكبر في هذا الموضوع.

في النهاية، يبقى مواكبة التطور سبيلاً في الاستقرار والتّأقلم في بيئة الإنسان، لكن ليس على حساب ما أنشأه منذ القدم. فليتذكر كلّ فعل أنجزه أنّه وصل إليه بفضل الورقة والقلم، لا يجوز أن يدفن كلّ ما هو مكتوب في أدراج الماضي بل عليه الاستعانة كلّ مرّة بكنوز متناقلة تضفي بفعلها الحياة.

تحقيق JUN 18, 2019
إستطلاع
مجلة آفاق الشباب
العدد 84 من نشرة آفاق الشباب
إقرأ المزيد