يوم دقّت ساعة الظلم
مساحة حرة APR 21, 2019

وُضع المخطط وكان عنوانه العريض "يجب إنهاء القوّات". تتالت الأحداث ونفّذ المجرم مخططاته بحرفيّة عالية وفق ما هو مرسوم. فبعد أن استنفذ النظام السوري كافة أنواع الترغيب لاستمالة قائد "القوّات" الدكتور سمير جعجع وتطويعه ليكون الغطاء المسيحي لتلك الفترة، اصطدموا في كل مرّة برجلٍ صلب لا يغريه منصب من هنا أو كرسي من هناك. حاول النظام السوري الذي أراد بسط سيطرته على لبنان، شقّ صفوف "القوّات" وتأليب الشّباب على قائدهم، فوجدوا بهم التزامًا وإيمانًا بقضية يحمل شعلتها الدكتور جعجع، عندها اتّخذ النظام الأمني قرارًا ببدء العقاب.

كانت أولى الحلقات في 27 شباط 1994 حين دوى انفجار في كنيسة سيّدة النجاة، ورتّب النظام الأمني الجريمة وكان السيناريو محكمًا لتوجيه أصابع الاتّهام لـ"القوّات". أدرك سمير جعجع حينئذٍ أنّ الخطر أصبح قريبًا. وبالفعل، ففي 10 آذار 1994، وقع مقرّ "القوّات اللبنانيّة" في غدراس تحت المحاصرة، وما هي إلّا أيّامٍ قليلة حتّى صُدر القرار الذي قضيَ بحلّ حزب القوّات وذلك في 23 آذار. كما اعتقل النظام الأمني رئيس الهيئة الإداريّة في الحزب فؤاد مالك، فوصلت الرسالة قويّةً إلى قائد "القوّات".

تتالت الاعتقالات ضدّ القواتيين الذين تعرّضوا لأبشع أنواع التّعذيب الجسدي والنفسي، بهدف الحصول على اعترافٍ واحدٍ يُدين "القوّات" وقائدها. وازداد المعتقلون مع كل دقيقة تعذيب، إيمانًا بالقضية وصلابة في مواجهة الظلم.

لكن يوم 21 نيسان 1994 لم يكن كسائره بالنسبة لـ"القوّات اللبنانيّة" والشّباب القواتي. إذ اكتملت حلقة النار في هذا اليوم، باعتقال قائد "القوّات" الدكتور سمير جعجع، ولم يكن أكثر المتشائمين يتخيّل أن يشاهد هذا اليوم. حلّ وقع اعتقال الحكيم كالصاعقة على الجميع؛ اعتقال القائد البطل الذي خاض أشرس الحروب، فاستحق القيادة وحمل مشعل المقاومة والقضية. لم يكن سهلًا على الرفاق رؤية القائد بين أيدي الجلّاد، وتحطمت أحلام الكثيرين أمام هذا المشهد. اعتبر البعض الآخر أنّ القضية سقطت مع اعتقال سمير جعجع، وخاف الشّباب على مصيرهم، وخاف الأهل على أبنائهم. كانت الأيّام صعبة، لكنّ الأصعب كان مواجهة المستقبل المجهول.

وحده سمير جعجع، مع كل تلك الأحداث المتسارعة، لم يحنِ رأسه أمام الجلّاد، ورفض زج الشّباب في معركة للدفاع عنه تهدر فيها الدماء. اقتادوه إلى سراديب وزارة الدفاع حيث سبقه عددٌ كبيرٌ من الرفاق بعد أن رفض اللّجوء إلى دولة أجنبيّة تاركًا الشّباب وراءه. حتّى بهدوئه في تلك اللحظة أخاف السجّان، وأمر الرفاق بعدم إطلاق أيّ رصاصة على الدورية والسّماح لها بالدخول إلى غدراس وجلس في مكتبه ينظر لحظة دخولهم.

وضبّ حقيبته وخرج من البوابة وقال كلماته الشّهيرة "بشوف وجكن بخير". انهار الحاضرون من الحزن أمام هذا المشهد، أمّا سمير جعجع فبقي صلبًا، وأخفى مشاعره عن الحاضرين ليبقى في ذهنهم ذلك القائد الذي لا ينحني.

أدرك الحكيم بأنّ بعد درب الألام والجلجلة، القيامة حتميّة. فكان إيمانه بالله عظيمًا حتّى حوّل زنزانته إلى محبسة يصلي فيها، وقد علم أنّه ترك في الخارج رفاقًا لن يهدؤوا ولن يملّوا إلّا عند خروج قائدهم. فاتّكل على الله وعلى نضال الرفاق، إذ لطالما ردّد مقولة أبو القاسم الشّابي: "إذا الشّعب يومًا أراد الحياة، فلا بدّ أن يستجيب القدر، ولا بدّ لليل أن ينجلي ولا بدّ للقيد أن ينكسر".

مساحة حرة APR 21, 2019
إستطلاع
مجلة آفاق الشباب
العدد 88 من نشرة آفاق الشباب
إقرأ المزيد