محاربة الفساد وفقًا للقانون الساكسوني
مساحة حرة SEP 07, 2019

في القرن الخامس عشر، كان نبلاء ساكسونيا ( وهي ولاية ألمانية) يعتبرون أنفسم طبقةً مختلفةً عن المواطنين العاديين. لذلك وضع مشرّعو هذه الطبقة قانونًا خاصًّا يحكم مجتمع ولاية ساكسونيا. وكانت نصوص قانون العقوبات تعاقب اللصوص والمجرمين من كلتي الطبقتين من دون تمييزٍ، باستثناء طريقة تنفيذ العقوبة: إذ كان ينصّ على أنّ "إذا ارتكب أحد من عامة الشعب جريمة، تقطع رقبته؛ أما إذا ارتكبها أحد النبلاء، فتقطع رقبة ظلّه". حتّى أصبح "القانون الساكسوني" مضرب مثل للعدالة الزائفة أو الوهميّة. أمّا الأسوأ، فكان تبجيل وتأليه طبقة عامّة الشعب للقانون ومشرّعيه ومنفّذيه.

أمّا في القرن الواحد والعشرين، ومع حصول لبنان على درجة 100/28 للعام السادس على التوالي، بحسب مؤشر مدركات الفساد لعام 2018 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، واحتلاله بذلك المرتبة ١٣٨ عالمياً من أصل 180 دولة يُقيسها المؤشر، مقارنة بمرتبة 143 من أصل 180 لعام 2017، إلاّ أنّ هذا التقدم لا يعكس تحسّن نتيجة لبنان، لا بل ينتج عن تراجع لبعض البلدان في المؤشر العامّ، ونظراً للحالة الاقتصادية والاجتماعية المتردية التي تهدّد بإعادة تقسيم المجتمع إلى طبقتين، نرى طبقة سياسية تقر موازنة لا تأخذ بالحسبان وقف مزاريب الهدر بل فرض ضرائب على عامة الشعب. كما نرى حكومة تلجأ للتعيينات خلسة من دون الحد الأدنى من الكفاءة. ويحارب أصحاب النفوذ والسلطة بكتلهم النيابية والوزارية الضخمة ومراكزهم ومناصبهم الكثيرة، الفساد بالشعارات أو بمحاكمات استعراضية لموظفين صغار. بينما يحاكم ظل رؤوس الفساد الكبار. يظهر جليًّا عدم جدية الطبقة السياسية الحالية بمكافحة ظاهرة الفساد في حالة إنشاء وزارة دولة لشؤون مكافحة الفساد، وثم إلغائها من دون أن تسجل خرقاً واحداً في الملفات الكبرى.
أخيراً، لا يكفي أن نشير بإصبعنا إلى الباطل فنكون بذلك قد أخلينا لأمراء الفساد الساحة ليبطش بفساده ناهشاً أحلام الشباب وضارباً أسس دولة الإنسان والمواطنة والقانون؛ بل يقع على عاتق شباب اليوم أن يكونوا على يقين بأنهم أوّل المسؤولين عن تغيير النظام القائم بتغيير نظام حياتهم اليومي، والحكاّم الفعليّين إذ يحكمون بصناديق الاقتراع بين من يقدم نهج زبائني وبين من يبذل ذاته في سبيل خير المجتمع الحر. إن الإيمان بالوطن ينبع من الإيمان بالذات فلا تيأسوا... لا تسألوا إذا كان من الممكن محاربة الفساد، فهذه إنطلاقة مع خطوة إلى الوراء، بل إبحثوا عن كيفية القضاء عليه وتسلّحوا بالإيمان وزيّنوا نضالكم برجاء القيامة التي لا يمكن بلوغها إلّا عبر درب جلجلة من التضحية وبحمل صليب خطايا الآخرين.

مساحة حرة SEP 07, 2019
إستطلاع
مجلة آفاق الشباب
العدد 86 من نشرة آفاق الشباب
إقرأ المزيد