حادثة إغلاق قناة السويس ... تداعيات أكبر من خسارة مالية
مساحة حرة APR 01, 2021

ضجّت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في الأسبوع الفائت بسفينة تجارية عالقة في قناة السويس؛ فكانت محط أنظار كل التليفزيونات والجرائد بمتابعة حثيثة لعملية تحريرها، واجتاحت مواقع وسائل التواصل، وأصبحت سفينة « Ever Given » محط أنظار العالم لمدة أسبوع ونيف. لكن لماذا كل هذا الاهتمام بسفينة شحن عالقة في عرض قناة السويس، في ظل كثرة مواضيع إخبارية عن كورونا وأزمات اقتصادية عالمية وعلاقات دولية ترسم معالمها في المنطقة وغيرها من الأخبار؟

 

من المهم معرفة أن ليس للسفينة أي أهمية في هذا الخبر، بل إن إغلاقها لأهم الممرات المائية في العالم هو الخبر، وتداعيات أضرار هذا الإغلاق على دول بأسرها وأسواق وتجارة عالمية.

 

أهمية قناة السويس على الصعيد العالمي

تكمن الأهمية الكبرى لهذه القناة في تأثيرها على حركة التجارة العالمية. فإلى جانب توقفها عن العمل الذي يكبد مصر خسائر بقيمة 15 مليون دولار يوميًا، إلا أن الخسائر العالمية تقدر أسبوعيًا بين 6 إلى 10 مليارات دولار. كل هذا إلى جانب رفع سعر النقل والشحن العالمي، إن كان بحرًا أو برًا أو جوًا. أضف إلى ذلك، ارتفاع تكاليف التأمين والإنتاج والوقود عالميًا. والوقت الضائع من التسليم وحركة النقل هو أيضًا خسارة على التجارة العالمية وحركتها والتداول بين الدول. وهذا ما بدا جليًا فقط إذا نظرنا إلى ارتفاع أسعار النفط عالميًا بقيمة 6 بالمئة في غضون يومين من الحادثة.

لهذه القناة أهمية إستراتيجية دولية، يمر عبرها كل ما يمكن أن يتصور من حاويات بضائع تحمل مصادر طاقة ومواد أولية وسلع جاهزة وحيوانات حية ومواد غذائية والعديد غيرها، إن كان عبر الاتجاه غربًا إلى دول الشرق الأوسط وأوروبا، أو حتى شرقًا من الغرب باتجاه الصين والهند ودول شرقي وجنوبي آسيا.

 

تأثير الإغلاق على دول أوروبا والعالم العربي

تأثرت شراكة ألمانيا والصين الاقتصادية والتجارية كثيرًا بفعل هذه المشكلة؛ نظرًا إلى أن أكثر من ثلثي البضائع المتبادلة عبر القناة عائدة لهما، فمعظم صادرات هذين البلدين ووارداتهما يمران من هناك. وإن طالت فترة الإغلاق لأكثر من أسبوع، لكانت مشاكل عديدة طرأت، لا سيّما على المواد الصناعية بسبب قلة عرض الكثير من السلع والخدمات التي تعتمد عليها كصناعة الأجهزة الإلكترونية والسيارات ووسائل الاتصال ومعدات الطاقات المتجددة ومواد غذائية.

تأثرت أيضًا دول أوروبا بفعل هذه الحادثة، كما تركيا والدول العربية. وباعتبار أن الصين من أكبر الموردين لهذه الدول جمعاء، توقفت عملية التجارة إليها. وستكون التداعيات خطيرة على دول الخليج التي تصدّر بنسبة 20 إلى 30 بالمئة من إنتاجها النفطي إلى منطقة الغرب أي أوروبا وشمال أمريكا، كذلك البضائع الواردة لها؛ وكل هذا مرورًا بقناة السويس.

 

تداعيات الإغلاق وصلت إلى لبنان

لبنان هو من ضمن دول الحوض الشرقي للبحر المتوسط ويستفيد بشكل كبير وأساسي من قناة السويس، إذ تسلك هذا الممر أكثرية السفن التي ترسو في لبنان، إن كان من خلال النفط الذي يأتي من دول الخليج العربي ويغذي السوق اللبناني بالمشتقات النفطية ومعمل إنتاج الكهرباء، أو باعتبار لبنان بلد ريعي يعتمد بشكل أساسي على استيراد معظم منتجاته، لا سيّما من الصين ودول شرقي آسيا. وبالطبع فإن كل هذا أخّر تدفق كميات المشتقات النفطية في السوق اللبناني وارتفاع أسعارها في السوق بعد ارتفاع سعرها عالميًا، أضف إلى ذلك ارتفاع أسعار السلع المستوردة مع تداعيات ارتفاع سعر النقل والتأخير، كل هذا والبلد يرزح تحت وطأة أزمة اقتصادية خانقة أثرت بشكل سلبي على الوضع اللبناني.

 

بدائل عن قناة السويس

فتحت هذه الحادثة أبواب اعتماد ممرات نقل جديدة على مصراعيها، وعلت الأصوات والمطالبات باعتماد ممرات رديفة قد تكوم أسرع وأقل تكلفة على النقل والتجارة العالمية للبضائع. فقد عمدت بعض الدول على تغيير مسار سفنها إلى المسار القديم وهو رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، رغم أن قطع هذه المسافة الطويلة حول القارة الإفريقية يستغرق أسبوع إلى عشرة أيام إضافية مقارنة بقناة السويس، ما يزيد أيضًا قيمة النقل والتأمين بنسبة عالية.

كذلك اقترحت السلطات الروسية ممرًا رديفًا لنقل البضائع من شرق آسيا إلى أوروبا عبر روسيا باستخدام ميناء فلاديفوستوك أو عبر خطوطها الحديدية، أو استخدام بحر الشمال للنقل، لا سيّما في الفصول الدافئة حيث يكسر الجليد للإتاحة لسفن الفقل بالمرور. أضف إلى ذلك عودة النظر في أهمية طريق الحرير الجديدة التي تسعى الصين للترويج لها، من أجل السيطرة على خط الإمداد من الشرق للغرب عبر البر الأقل تكلفة.

قد تفقد هذه الممرات أهمية قناة السويس وما يستتبعها من تداعيات على الإيرادات المالية للدولة المصرية من هذا المرفق الحيوي الذي يشكل شريان الحياة وصلة الوصل بين أهم الدول في التجارة العالمية.

مساحة حرة APR 01, 2021
إستطلاع
مجلة آفاق الشباب
عدد استثنائي
إقرأ المزيد