قداسة الملوك
كزدورة SEP 22, 2017

إنها دير الأحمر أو "دير أخ مور" بالسريانية، تتعدد الروايات عن تسمية دير الأحمر لكنها الدير ومن منا لا يعرفها أو لم يمر بها للوصول إلى مزار سيدة بشوات العجائبي أو للتتمتع بمناخ سفوح جبال سلسلة لبنان الغربية التي تحيط بها.
 يطلقون على مدينة بعلبك إسم "معبد السيد" لأن كان فيها معبد كبير لجوبيتر. وهنالك معبد آخر لجوبيتر لكنه صغير في المنطقة المجاورة لبعلبك سميت هذه المنطقة بإسم سرياني وهو الذي يعني "معبد أخ السيد" أي "دير أح مور".
     في القرون الماضية البعيدة كان هنالك دير في منطقة شرق لبنان، تم هجوم على حرمة الديّر وقتلوا جميع الرهبان ومن كان في الدير. سالت الدماء الحمراء على أرض الدير. على أثر هذه الحادثة تم إطلاق على هذه المنطقة إسم دير الأحمر.
تعددت القصص والروايات والمعنى واحد ... "دير الأحمر".
الدير هو القداسة، والأحمر لون الملوك، مهما تكن الرواية مهمة، مضمونها أهم بكثير.
إنها الدير التي ارتوت ارضها من دماء قاطنيها المسيحيين والرهبان  الأولين الذين استشهدوا على مر الأزمنة، ولم يستسلم أهلها لأي نوع من الإحتلال فلقد كانت محطة أنظار ومطمع للطغاة منذ قرون. لكن الإرادة بالبقاء والتمسك بالأرض كانت أقوى وأصبحت هوية وميزة .
تقع بلدة دير الأحمر على بعد 100كلم من بيروت وتعلو 1000م عن سطح البحر. 
مناخها، معتدل في الخريف والربيع، جليدي في الشتاء، جاف وحار في الصيف.
معظم الطرقات تقفل في فصل الشتاء من جراء كثافة الثلوج ولكن يبقى طريق أمل لمحبين المنطقة وهي طريق ضهر البيدر التي تبقى سالكة كل أيام السنة.
في الوقت الحالي يبلغ عدد أهالي البلدة نحو 30000 نسمة تقريباً، هاجر عدد كبير من ابنائها وخاصة الى كندا واوستراليا واميركا.
بعيداً عن التسمية، والمناخ، وجغرافية هذه الأرض، نصل إلى أصل الأصل وهم أبناء دير الأحمر. 
  إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر.
هكذا هم أهالي منطقة الدير والتي أصبحت إتحاد بلديات القرى المجاورة.
 إنها مسيرة تطورت فيها الحياة على مستويات عدة: إقتصادياً، إجتماعياً، عمرانياً، ديموغرفياً ... إلا أنها بقيت هي هي مسيرة أجداد صمدوا وعانوا وكأن لا يكفيهم قساوة الطقس وأرضها الوعرة وشمسها التي أحرقت ايادي الحصادين. عوامل وظروف اجتمعت فنال منها اهل منطقة الدير سر "عمادهم" الدنيوي فانبتت في كل شخص صلابة اكثر وإيمانا أكبر وسلكوا درباً شائكةً في أغلب الأحيان.

إرادة شعب تبني وطن. من شعب كان ليحصل على جرة ماء يقوم برحلة سيراً على الأقدام من بيوتهم إلى بعلبك لتعبئة جراتهم لتلبية الحاجات العائلية، من نساء تلدن أولادهم في الحقل وفي البستان ويكملون عملهم الشاق في الأرض بأيادي ناعمة كبشرة النساء وصلبة كقوة الرجال، من رجال أمنت الحماية لبيوتهم وللمنطقة وأبعدت في الصقيع وتحت الشمس الحارقة الأيادي السوداء عنها، من قساوة الصخور، من الرمال الحمراء،من السهول المثمرة. 
تجمعت المكونات فخلقت أرضاً قابلةً للقداسة ، قبور أبائها تشع نور القداسة منها كالأب بطرس منصف، يرسم على أرضها وجه الأم مريم بأكبر مسبحة في العالم، تحرسها سيدة بشوات، يزين جدران بيوتها صور شهدائها، يسيج حدودها الكروم الخضراء.
وما أجمل المشوار عأرضك يا دير، على باب البلدة حاجز للجيش اللبناني يبشرك بالأمان والطمأنينة، تمر بالسهول الملونة حتى تصل إلى ساحة دير الأحمر التي تعج بالمحبين صيفاً شتاءً، الكنائس تلف حولك كيف ما أتجهت من كنيسة سيدة البرج وكنيسة مار شربل وكنيسة مار جرجس وكنيسة السيدة ...، رائحة هواؤها النقي  يمتزج برائحة تراب الارض. دير الاحمر هي الأم التي تمسك أولادها، بتدعي، صفرا، زرازير، برقا، شليفا، عيناتا، القدام ... تضج المنطقة بالحياة وتطور نفسها بإستمرار من خلال وجود مدارس،كشافة، مستوصفات طبية، ملاعب للرياضة، مولدات كهرباء، ملاحم، أفران، مطاعم، محطات للوقود، صالونات للتزيين، مصانع، خمارات للنبيذ ... 
إنها الأرض التي تفوح منها رائحة القداسة، ويد الخالق رسمت لوحات طبيعية خلابة وتتدخل دائماً لترشح زيتاً وتُلهم أحدهم لبناء أكبر مسبحة في العالم.
 وحق سيدة بشوات، دخلك يا سيدة بشوات.
كيف لا وهي شفيعة أهل الدير.
سيدة بشوات، انها كنيسة للعذراء مريم ولقبت بسيدة بشوات نسبة لبلدة بشوات البقاعية  يحكى انه منذ زمن بعيد ظهرت سيدة بلباس ازرق مرصع بالنجوم على مجموعة من الرعاة واشارت اليهم حيث المزار الحالي ان منزلها هناك. كما ان هناك عدة اقاصيص تحكي عن حجر كان ينقل من حيث المزار الى منطقة اخرى لكن يد الاهية ترجعه حيث كان في الكنيسة الصغيرة. ويشهد جميع من زارها عن ظهورات حصلت خاصة في الاونة الاخيرة. أصبحت محج يقصده الناس من كافة المذاهب والطوائف للتبارك منها والملفت ان اول اعجوبة حصلت مع شفاء شاب اردني مسلم كان يعاني من شلل. قصص كثيرة وأعاجيب لا تعد ولا تحصى. 
دير الاحمر منطقة العيش المشترك والانفتاح مع اهالي البقاع كافة. بالرغم من التطور الذي شهدته ما زالت القيم والعادات والتقاليد راسخة ومتوارثة من جيل الى جيل، عدا عن الضيافة والكرم الذي يشتهر به اللبنانيين كافة.

كزدورة SEP 22, 2017
إستطلاع
مجلة آفاق الشباب
عدد استثنائي
إقرأ المزيد