الانسحاب المفترض للمملكة المتّحدة من الاتحاد الأوروبي أو "بريكزت"
تحقيق MAR 18, 2019

منذ بداية الحرب الباردة في العام ١٩٥٠، أصرّ الأميركيون على المصالحة بين فرنسا وألمانيا. وفي ١٠ أيّار ١٩٥٠، كان من المقرّر أن  يُعقَد اجتماعٌ للحلف الأطلسي، لكن قبل يومٍ واحد من التّاريخ المُقرّر، أعلن روبرت شومان وجان مويت بناء أوروبا، الأمر الذي سيؤدي إلى خلق سوق مشتركة كبيرة. ونتيجة لذلك، أصبحت جميع القرارات التي يتّخذها الاتّحاد المؤلّف من ٢٨ بلداً مبنيّةً على الإجماع.
من هنا، حصلت فرنسا على "خروج مشرف" بعد هزيمتها، أمّا ألمانيا فاستغلّت فرصة "غسل جرائمها" ضدّ الإنسانيّة.
بالإضافة إلى ذلك، انتهت الحرب الباردة في العام ١٩٩١ بانهيار الاتّحاد السوفيتي، ودخلنا عصر التعدّدية القطبية في القرن الواحد والعشرين مع صحوة الصين والشرق. ويتجلّى ذلك في انطلاق الثورة التكنولوجية وعمل المنظمات غير الحكومية التي تدافع عن الناس ضدّ المظالم المختلفة والممثلين الذين يشنّون  حروبًا باسم دينية كالقاعدة وداعش. وهكذا تجد أوروبا نفسها في قلب أزمة سياسيّة بسبب التطرّف في كيانها والصّراع القائم بين اليسار واليمين.
فحلّت ظاهرة جديدة في القارة الأوروبيّة، وخرجت المملكة المتّحدة من الاتّحاد الأوروبي أو ما بات يُعرف بـ" BREXIT "، وذلك لأسبابٍ عديدة اعتبرتها المملكة ضرورية وطارئةـ ولعلّ أبرز تلك الأسباب هو التدفق الهائل للمهاجرين. إذ تشير الأرقام إلى أنّ أكثر من مليون لاجئ، سوريًّا كان أم إفريقيًّا، سُجّل على الحدود الوطنيّة لكلّ دولةٍ أوروبية. علاوة على ذلك، تُظهر أعمال الإرهاب في المدن الأوروبيّة، لا سيّما في باريس وبروكسل، الحاجة الملّحة إلى التّعاون بين الشرطة الأوروبية. وبعد الاستفتاء في ٢٣ حزيران ٢٠١٦، ظهرت النتائج التّالية: ٥١.٩% من الأصوات لصالح الانسحاب مع تصويت أكثر من ٣٠ مليون شخص. تُعدّ غالبية الموافقين على قرار الانفصال من كبار السّن والمتحفّظين والمؤمنين بقدرة بريطانيا على الاستقلال بنفسها والاكتفاء بمواردها بعيدًا عن الاتّحاد الأوروبي. وقد تمّت الدعوة إلى الانسحاب من قبل المشكّكين في وحدة أوروبا سواء الجناح اليساري أم الجناح اليميني، في حين أنّ المؤيدين لوحدة أوروبا الذين يمتلكون شعبية سياسيّة دعوا إلى استمرار العضوية والتمسك بها. وقد تحدّت نتيجة التصويت التوقّعات وتسبّبت بانهيار الأسواق العالمية، ممّا أدّى إلى انعكاسات عديدة أهمّها على الصعيد الاقتصادي حيث انخفض الجينيه الاسترليني إلى أدنى مستوى له مقابل الدولار خلال ثلاثين عامًا. وأعلن رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون، الذي دعا إلى الاستفتاء وشنّ حملة لبريطانيا للبقاء في قلب الاتّحاد الأوروبي، استقالته في اليوم التّالي، فاستبدلت وزيرة الداخلية تيريزا ماي زعامة حزب المحافظين ورئاسة مجلس الوزراء. وبعد انتخابات مبكرة يوم ٨ حزيران ٢٠١٧، ، بقيت ماي رئيسة للوزراء. وحتّى تتمكن بريطانيا من الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، ينبغي عليها أن تثير المادة ٥٠ من معاهدة لشبونة التي تعطي الجانبين عامين للموافقة على شروط الانفصال. وبالتّالي، بدأت تيريزا ماي هذه العملية في ٢٩ آذار من العام ٢٠١٧. ومن المقرّر أن تغادر المملكة المتّحدة الاتّحاد الأوروبي في ٢٩ آذار من هذا العام عندما تنتهي فترة التفاوض على اتفاقية الانسحاب وإن لم يتمّ الاتفاق على التمديد، ستجد المملكة المتّحدة نفسها مُجبرةً على الدّفع للتّحاد الأوروبي من أجل كسر الشراكة، مبلغ وقدره ٣٩ مليار جنيه استرليني.
 يُشير بعض المحلّلين والمتخصّصين في المجال الاقتصادي إلى أنّ خروج بريطانيا من الاتّحاد الأوروبي سيُولّد انخفاضاً لدخل الفرد الحقيقي في المملكة المتّحدة على المدى المتوسط والطويل على حدٍّ سواء. كما وأنّ استفتاء خروج بريطانيا نفسه أحدث خللاً فعليّاً على المستوى الاقتصادي، إذ قدّر منشورٌ وزرايٌّ في تشرين الثاني ٢.١٨، التأثير المحتمل لمقترح لعبة الداما الذي سيُسبّب تدنيّاً في نسبة الاقتصاد الأوروبي خلال ١٥ عامًا، وذلك بنسبة ٣.٩٪ مقارنة بالبقاء في الاتّحاد الأوروبي. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ لعبة الداما هي عبارة عن بركزيت مع التّحفظ لبعض من السياسات والعلاقات القائمة بين الطرفين.
وعلى الرغم من كافة مبادرات وبيانات لبعض الأطراف داخل المملكة التي تطالب بتأجيل عملية الخروج من الاتّحاد، إلّا أنّ الحكومة البريطانية وحزب المعارضة متمسكّان بسياستهما ويهدفان فعليًّا إلى تحقيق الانفصال قريبًا.

تحقيق MAR 18, 2019
إستطلاع
مجلة آفاق الشباب
العدد 83 من نشرة آفاق الشباب
إقرأ المزيد