قُتلتُ قبل أن أولد
تحقيق FEB 06, 2019

تمّ مؤخّراً تداول الصّور والمقالات المتعلّقة بقانون الإجهاض الجديد الموقّع في نيويورك وغيرها من الأحكام القضائيّة التّابعة لهذا الموضوع عبر مواقع التّواصل الإجتماعي. ومن أكثر ما اثار البلبلة وردّة فعل الناشطين الإلكترونيّين هو السّماح لغير الأطّباء بإجراء الإجهاض، كما وأنّه من الممكن إجراء هذه العمليّة قبل دقائق من موعد الولادة في حال كانت حياة الأمّ معرّضة للخطر.

فما هو إذاً مفهوم الإجهاض في لبنان وما هي تداعياته؟ وما هو موقف القانون والدّين من هذه العمليّة؟

من الوجهة القانونيّة:

أعد قانون العقوبات اللبناني فصلاً خاصاً في الإجهاض من المادة 539 حتى 546 تحت الباب السابع المتعلق بالجرائم المخلة بالأخلاق والآداب العامة. وهذا ما أفاده المحامي الأستاذ رولان عيد خلال إتّصالنا به مشيراً إلى أنّ المشرّع قد أدرج الإجهاض في عداد الوصف الجناحي وقد ينقلب إلى جنائي في بعض الحالات. كما وأنّ قانون الآداب الطبيّة حظر الإجهاض ما خلا حالة الإجهاض العلاجي الذي يكون وفق شروط وظروف معيّنة.
وقد أضاف: "إنّ القانون اللّبناني قد ميّز بين عدّة حالات لتجريم الإجهاض، وهي:

1- حالة المرأة التي تتسبب او ترضى بطرح نفسها وهي جنحة، وذلك سنداً للمادة 541 من قانون العقوبات.
إنّ المرأة تعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات سواء كانت هي من طرحت نفسها او تسبب غيرها في طرحها برضاها، وهذه الجريمة قصدية لا تقوم اذا حصل إسقاط الجنين رغماً عن ارادتها. وقد تستفيد من عذر مخفف، المرأة التي تطرح نفسها محافظة على شرفها.

2- حالة من يتسبب بطرح امرأة سنداً للمادة 542 من قانون العقوبات.

نميّز هنا بين حالتين:

1- حالة من يتسبب بأيّ وسيلة كانت بطرح امرأة أو محاولة تطريح وذلك برضاها، عوقب بالحبس من سنة الى ثلاث سنوات، إذاً، هي جنحة سنداً للمادة 542ع.

وقد تشدد عقوبة هذه الجنحة من الثلث الى النصف، اذا ارتكب هذه الجنحة طبيب او جراح او قابلة او صيدلي او احد مستخدميهم فاعلين كانوا او محرضين او متدخلين. بالإضافة إلى المنع من مزاولة مهنته او عمله وان لم يكونا منوطين باذن السلطة او نيل شهادة، وهذا سنداً للمادة 546ع.

وفي حال وفاة المرأة يعاقب الفاعل بالأشغال الشاقة من أربع سنوات الى سبع سنوات، واذا كانت الوسائل المستعملة والّتي أحدثت الوفاة، هي وسائل اشد خطراً من الوسائل التي رضيت بها المرأة تكون العقوبة من خمس إلى عشر سنوات. وهنا ينقلب الوصف الجرمي من جنحة إلى جناية.

2- حالة من يتسبب بطرح امرأة دون رضاها وهنا يعاقب بالأشغال الشاقة خمس سنوات على الأقل، وفي حال وفاة المرأة لا تنقص عن عشر سنوات وذلك سنداً للمادة 542ع.

وفي الحالتين المذكورتين، يستفيد من عذر مخفف من ارتكب إحدى هذه الجرائم للمحافظة على شرف احد فروعه او قريباته حتى الدرجة الثانية.

3- حالات أخرى نصت عليها المادتان 539 و540ع.

من أقدم على نشر او ترويج او تسهيل استعمال وسائل الإجهاض يعاقب بالحبس من شهرين الى سنتين وبالغرامة من مئة الف الى خمسماية الف ليرة (المادة 539ع).

يعاقب بالعقوبة نفسها من باع او عرض للبيع او اقتنى بقصد البيع مواد معدة لإحداث الإجهاض او سهل استعمالها باي طريقة كانت (المادة 540ع). وقد تشدد هذه العقوبة في حال إعتياد البيع وقد يقفل المحلّ.

ومن أقدم على الإجهاض ولم يكن طبيباً لا يلاحق فقط بجرم الإجهاض إنّما أيضاً بممارسة مهنة خارجة عن إختصاصه وإنتحال صفة الطّبيب ونكون هنا أمام إشتراك جرمي".

كما أكّد الأستاذ عيد على ضرورة تفعيل دور الجهات الّتي تقوم بمداهمة العيادات غير المخصصة وضرورة الملاحقة الجديّة لكلّ الحالات المخالفة للقانون وذلك للحدّ من هذا الجرم لأنّه إلى تكاثر وخاصّةً خارج ما هو متاح ومسموح إجراءه قانوناً.

من الوجهة الدينيّة:

1-في المسيحيّة:

عرّفت الكنيسة الإجهاض بأنّه قتل الجنين بطريقة متعمّدة، أيّ قتل روح منذ لحظة تكوينها وبإتمام هذا الفعل نكون أمام جريمة قتل إنسان لأنّ الكنيسة تعتبر أن الجنين هو كائن بالصّيرورة ولا أحد له حقّ التّعدي عليه.

إنّ الكنيسة ترفض رفضاً قاطعأ عمليّة الإجهاض، حتّى في حالات وجود إعاقة لدى الجنين أو حالات الحمل الناتج عن إغتصاب، إذ أنّ هناك جمعيّات ومؤسّسات ودور تعتني بهذه الحالات، لأنّ الإجهاض ليس حلّاً لهذه المشاكل.

في حال وجود خطر على حياة الأمّ، ترى الكنيسة أنّ على الطّبيب بذل أقصى جهوده لخلاص الكائنين. ولكن في حال العجز ولا مفرّ من خسارة حياة أحدهما، يفضّل عندها بحسب الكنيسة المحافظة على حياة الأمّ. أمّا في حال ارادت الأمّ المحافظة على حياة جنينها مقابل خسارة حياتها ليس هناك ما يعارض ذلك، فهناك القدّيسة جيانّا بيريتا مولّا الّتي أصّرت على الموت مقابل خلاص جنينها.

إنّ الكنيسة تعمل على التّوعية حول موضوع الإجهاض من خلال العظات والحملات والدورات التنشيئيّة.

2-في الإسلام:

لم يتطرق القرآن إلى الإجهاض بشكل مباشر، ولكن علماء المسلمين يستندون إلى آيات تحريم قتل النفس وإهلاك الحرث والنسل لتحريم الإجهاض بصورة مطلقة. فمثلاً يمكن الإستناد إلى الآية 205 من سورة البقرة: "وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ ". وحسب العقيدة الإسلامية فإن الجنين يمرّ بمراحل ثلاث كل منها مدتها أربعون يومًا ثم ينفخ فيه الروح (نطفة-علقة-مضغة).

والمتّفق عليه هو عدم جواز الإجهاض مطلقاً بعد نفخ الرّوح في الجنين لأي سبب كان وذلك بعد مرور 120 يومًا على الحمل. ولكن قد إختلفت الآراء حول السّماح بذلك قبل تكوين الرّوح، فمنهم من رفض فكرة الإجهاض تماماً ومنهم من سمح بذلك ولكن بشرط وجود عذر يبرّر ذلك مثل وجود خطر على حياة الأمّ أو جاء الحمل نتيجة زنا أو إغتصاب.

يلاحظ أنّ الإجهاض هو المسبب الأوّل للقتل في عام 2018 حيث شهد العالم حوالي 41.9 مليون حالة.

الجدير بالذّكر أيضاً، أنّ الإجهاض في بعض البلدان لا يعتبر جريمة كالصّين مثلاً، الّتي إعتمدت على مدى حوالي الاربعين سنة سياسات مختلفة للحدّ من الولادات والزّيادة السّكانيّة المتفاقمة وكانت عمليّة الإجهاض إحداها.

في ظلّ هذه التّشريعات والسّياسات المعتمدة، هل يا ترى سنصل إلى يوم يعترف العالم فيه بأنّ الجنين يتمتّع بروح وسيصبح فيما بعد إنسان حيّ، وعليهم إحترام وصيانة كرامته بالرّغم من عدم قدرته الدّفاع عن نفسه؟

فالقانون اللّبناني مثلاً يحترم الجنين وقد خصّص له بعض الحقوق كحقه بالحصول على جزء من تركة الأب المتوفّي وذلك من مجرّد تكوينيه في أحشاء والدته.

تحقيق FEB 06, 2019
إستطلاع
مجلة آفاق الشباب
العدد 85 من نشرة آفاق الشباب
إقرأ المزيد