غابة أرز الربّ، عندما نلمس حضور الله في الطبيعة
كزدورة APR 01, 2012
موطن العبقري جبران خليل جبران، منطقة تغنّى بها الكاتب الفرنسي لامرتين، "محميّة أرز بشري" أو "أرز الرّب". منطقة دخلت التاريخ وذكرها الكتاب والمؤرخين إبتدأً من القرن الحادي عشر قبل الميلاد.

شجرة الأرز رمز لبنان وشعاره، الذي ذكره كتاب التورات مئة وثلاث مرات، بالنسبة للمسيحيّة الأرز رمز القداسة وللمسلمين رمز النقاوة والطهارة.


في جولة ميدانيّة يمكننا رؤيّة مدى عظمة هذا النوع من الشجر ومدى صموده. أشجار ترتفع نحو السماء حتى علو 40 متر، وقطرها يصل إلى 15 متر وإمتداد أغصانها يصل إلى حدود ال50 متر. أوراقها تنمو بشكل إبر وبإتجاه عامودي ويمكن أن تبقى لسنوات صامدة على أغصانها.



شجرة الأرز تزهر في فصل الربيع ولا تعطي ثمارها قبل بلوغ ال40 سنة وأحيانا لمدة أطول. تبقى الشجرة بشموخ مستمر طيلة أول 50 سنة من عمرها الذي يمكن أن يصل إلى ثلاث ألآف سنة. تضم الغابة اليوم شجرتين تجاوز عمرهما الثلاث ألآف سنة، إلى جانب عشرة تجاوز عمر الواحدة منها ألف سنة، وأكثر من ثلاث مئة شجرة تقدر أعمارها بمئات السنوات.

جال أجدادنا الفينقيين في العالم ونشروا الحرف، ويعود الفضل الأكبر لهذا الإنجاز لجودة سفنهم التي قاومت الرياح والصعاب وصمدت صمود، كان نتيجة نوعيّة الخشب المصنوعة منه وهو خشب الأرز. ومثل الفينقيين، المصريين الذين أدركوا صلابة هذا النوع من الخشب، فإستقدموا منه كميات إلى منطقة الجيزة المكان الذي بنوا به السراديب، وكان إختيارهم صائب كون هذه السراديب لا تزال صامدة لليوم وعمرها أكثر من أربعة ألآف سنة. وخشب الأرز كان الخشب الختار لبناء هيكل سليمان من ألف سنة قبل المسيح.



سنة 1843 وبفضل جهود البطريرك يوسف حبيّش، شيدت كنيسة صغيرة في وسط الغابة لحمايتها، كنيسة بمدخل مميز صغير تجعل من يدخلها ينحني لعظمة الخالق وقدسيّة المكان. والدور الأكبر بالحفاظ على هذه الغابة يعود للبطريرك بولس مسعّد والمتصرف التركي رستم باشا، اللذان ثورا الغابة وحولاها إلى محميّة طبيعيّة بين العام 1875 و1880.

عند إعلان دولة لبنان الكبير سنة 1920 قيل:" أرزة دائمة الخضار ترمز لشعب دائم الشباب وبإتحاده الصلب تتدمر أمامه كل طموحات الغزاة". بإعادة تشجيرها والمحافظة عليها تعود الغابة إلى حجمها الطبيعي وتسترجع مكانتها التي تغنى بها الإيطاليين عندما وصفها تيودور الصقليّ:"بغابة العطور الذكيّة".


وضعت غابة الأرز على لائحة التراث العالمي عام 1998، وتمثل قيمة دينيّة وتارخيّة كبيرة، فهي تقع قرب وادي قديشا المعروف بوادي القديسين، وتذخر الغابة بمواقع طبيعيّة وتاريخيّة مثيرة للإهتمام. وقد لا يلزم الزائر أكثر من نصف ساعة لينتقل من علوّ 3000 متر إلى ما دون 1000 متر حيث يبلغ أعماق وادي قديشا. وتعج المنطقة بالأنهار والينابيع والشلالات والأشكال الطبيعيّة الأخرى إلى جانب الكنائس والأديار والصوامع الصخريّة ناهيك عن القرى المضيافة.
 
كزدورة APR 01, 2012
إستطلاع
مجلة آفاق الشباب
عدد استثنائي
إقرأ المزيد