عنصرةُ البقاء
مساحة حرة JUN 10, 2014
كفانا نظرات أقلويّة وكفانا هربًا إلى حمايةِ أوراقٍ تضمنُ وجودَنا وحقوقَنا، كفانا تخوُّفًا على مصير مسيحيي لبنان وعلى وجودهم في هذه البقعة من الأرض.  لمَ الخوف ونحن ما كُنّا يومًا ولن نصبح أقلّية. نحن أبناء العنصرة، أبناء الحرية، ونحن صوت الله الصارخ في مشرقه من جبل هذا المشرق المنيع، من لبنان الرسالة... لم الخوف من الآخر؟ ولم القبول  بصيَغٍ وذهنيات تُرسِّخُ المنطق الأقلّوي في نفوس شعبنا؟ 

ها قد إحتفلنا بعيد العنصرة، هذه العنصرة التّي تمَّت في عليَّة مغلقة حيث عزل الرسل أنفسَهم عن المجتمع، هناك أتت العنصرة فعل تحرير وإنطلاق للبشارة، إنطلاق للبشارة بالحق. وعلى الرغم من نقص عددهم وصعوبات المجتمع الموجودين فيه، لم يتبادر إلى ذهن الرسل والجماعة المسيحيَّة الأولى ولو للحظة بأنّهم أقلِّية!. عصف فيهم الروح القدس فتذوَّقوا الحرية وتشرَّبوها. فأعلنوا البشارة دون خوف.

من هذا المشرق بالذات صَدَح صوتُهم يعلن الخلاص، فلماذا اليوم تصدح حناجرنا بالخوف على بقائنا في الشرق ذاته؟ 
ولم أصبح اليوم وجود الآخر المسلَّح بالمال والسلاح عقبة أمامنا في الوقت الذي لم يكن إلا دافعًا إضافيًا أمام الرسل للثبات في إيمانهم وفي بشارتهم؟
كثيرون يحاولون إقناعنا بأننا أضحينا أقلية معرَّضة للنسيان. وبما أنَّ هذه الأبواق تستفحِلُ تعنٌّتًا يومًا بعد يوم، نجد نفسنا أمام السؤال التالي: ما هي الأقلّية؟
وما الشروط التي على أساسها تُعتَبَر جماعة ما أقلّية؟ بالإستناد إلى المعيار العالمي لتصنيف الأقلّيات نجد أنه من الضروري توافر أربعة شروط لتصنيف فئةٍ ما كأقلّية وهذه الشروط هي:

- أن تكون الجماعة قليلة العدد. 
- وجود أكثرية عددية تقيس باقي الفئات نسبةً إلى حجمها.
- وجود قوانين تلاحظ وجود الأقليات وتُشَرِّعه.
- أمّا الشرط الرابع والأهمّ، والذي في حال عدم توافره تسقط الشروط الثلاثة الأولى، فهو القبول الجماعي لهذه الفئة بأن تكون أقلّية.

يا أبناء العنصرة ويا ورثة الحرية، إن الضامن الأوَّل لوجودكم في هذا الشرق هو الروح القدس وكل ضمانة أخرى هي التجديف على هذا الروح، وهي الخيانة لرسالتنا ولبشارتنا بالذات، فكيف نستطيع أن ننقل بشرى الخلاص والحريّة في الوقت الذي نقبع فيه خائفين مستظلّين بأوراقٍ وصيَغٍ نعتقد أنها تهبنا الوجود؟ إنَّ لمحة واحدة إلى تاريخنا العريق بالقداسة والبطولة تدفعنا إلى تمزيق كلّ ما طُبِعَ من أوراقٍ تفاهمية رخيصة وصيَغٍ مشبوهة تحاول أن تضعنا في ذمّةِ احزاب سياسية لا تأبه بالأصل إلى أي وجودٍ مسيحي وتحاول إخراج المسيح من بيته. 

الفكر الأقلّوي هو من حاربته المارونية عبر التاريخ. سكنت الجبال الوعرة، وانشأت مجتمعها الخاص بالرغم من كل الظروف التي لم تُحسَد عليها يومًا. وإنَّ هذه الجماعة القليلة العدد لم تقبل بفكرة الأقلّية على الإطلاق، ليس لأن هذه الفكرة عُرِضت عليها، بل لأنّ يسوع المسيح لم يترك لها وقتًا لتفكِّر بغيره، وهي بدورها ما إستطاعت الفُكاك من جاذبيّة الحُرّية.

إخوتي لنعد إلى عنصرتنا ولنعشها اليوم، لأن كلمة الله كلمة حية وهي معنا هنا والآن! ومن يَتَّخذ من كلمة الله عقيدة وحياة لا يخشى صليباً ولا يرتعب من قوَّةٍ ولا من سلاطين هذا الدهر. عنصرتنا قائمة فينا. وها هو بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق مار بشارة بطرس الراعي يحطِّم الحدود ويزور أبناءَه في الأراضي المقدسة، وبزيارته هذه أوضح لنا أننا لسنا أقلّية تحتاج إلى جوازِ مرورٍ من أحد، ولسنا في موقعِ المستأذن للعبور إلى أيّ بقعة من بقاع هذه المعمورة.

حيث تكون الحرية هناك تكون روح الله وهناك تكون المسيحية. حيث إستطاع المسيح نجرؤ ونستطيع هذه هوية المسيحية الحق، لا نخشى صليباً ولا نخشى ألماً لأننا أبناء القيامة والحقّ والحياة. 

يا مسيحيو لبنان شرِّعوا ابوابكم للعنصرة واقبلوا روح الرب، روح الحرية، الروح المحررة من كل خوف. لا نُفكّرَنَّ يوماً فكر الضعيف والخائف. وكما يقول الخورأسقف ميشال حايك فالإنسان بحاجة إلى العناية الإلهية في كلِّ بقعة من بقاع الأرض إلا في هذا الشرق فهذه العناية بحاجةٍ لنا كما نحن بحاجةٍ إليها.

فلنكُن على قدر ما أُعطينا من روح الله، من روح الحرّية وإلَا فالعبوديَّة والموت وجهان لعملة واحدة!
 
مساحة حرة JUN 10, 2014
إستطلاع
مجلة آفاق الشباب
عدد استثنائي
إقرأ المزيد