اليوم علّق على خشبة.. اليوم ارتفع شهيداً
مساحة حرة APR 18, 2014
انه ذاك اليوم المفصلي ذاته في تاريخ لبنان الحديث.. 14 شباط 2005.

يومها ظن الجميع ان الثورة، ثورة الأرز قتلت في مهدها.. رفيق الحريري سقط شهيداً في بيروت، في وضح النهار، وسط ذهول الجميع في الداخل والخارج.
ثلثاء أسود بالفعل، أدى إلى قيامة انتفاضة شعبية بوجه القتلة بعد 4 أسابيع في 14 آذار 2005، ثلثاء أيضاً، ثلثاء عظيم، انها ثورة الأرز.
ولكن الحريري لم يكن وحده من استهدف يومها، بل سقط معه شهداء في حصيلة نهائية بلغت الـ21 شهيداً، ومن بينهم.. باسل فليحان!
باسل لم يكن من الطقم السياسي التقليدي، هو لم يرث مقعده النيابي، ولم يأتي بإيعاز خارجي، ولم يكن حتى مستفزاً لطائفته ومحيطه.
باسل اقتصادي لامع، حائز على ماجستير من جامعة يال الأميركية ودكتوراه في الاقتصاد من جامعة كولومبيا الأميركية أيضاً، قرر العودة عام 1993 إلى لبنان ليساهم بإعادة إعماره وعمل على الملفين المالي والاقتصادي وكانت له اليد الطولى في تأسيس المؤسسة المالية في وزارة المال سنة 1996، التي سميت تيمناً به سنة 2006، وفاءً لشهادته.

في الحياة السياسية، باسل ترشح على لائحة الحريري سنة 2000، عن مقعد الأقليات في بيروت كونه من طائفة البروتستانت المسيحية، ونجح، وهو المعروف عنه التزامه ونشاطه بالكنيسة الإنجيلية الوطنية في بيروت. وشغل منصب وزير الاقتصاد في حكومة الحريري من سنة 2000 إلى 2003، ليخلفه أيضاً شهيداً حياً وهو مروان حماده.

ويعتبر الشهيد فليحان من أهم مهندسي الإصلاح الاقتصادي الذي قدمه الرئيس الحريري في مؤتمر باريس، ونجح من خلاله لبنان بالحصول على قروض بأكثر من 4 مليارات دولار على شكل قروض ميسرة، إلا ان الاحتلال السوري والهيمنة على القرار منع الحريري وفريقه من تطبيق الخطة بشكل كامل.

بالعودة إلى ذلك النهار المشؤوم في حياة باسل وخصوصاً حياة عائلته، فكان باسل فليحان قبل يوم في سويسرا وتوسلته زوجته يسمى ان يطيل إقامته، نظراً للمخاطر التي كانت محدقة برجالات المعارضة آنذاك مع محاولة اغتيال مروان حماده، لكنه أبى إلا ان يعود ليشارك في جلسة نيابية مصيرية في 14 شباط، وعند انتهائها غادر مع الرئيس الحريري في موكبه، لتطاله يد الغدر والإجرام في انفجار بزنة طن من المتفجرات، لكن باسل تمسك بالحياة ولم يستشهد على الفور.
صارع الموت 64 يوماً، والحروق كانت تغطي 95% من جسده وهو كان نقل إلى باريس لمحاولة إنقاده. لكنه بنهاية المطاف قرر الالتحاق برفيقه رفيق الحريري، يوم 18 نيسان 2005 لينقل إلى لبنان ويدفن في 22 نيسان، ليرحلا سوياً إلى دنيا الحق ويعلماننا درساً حقيقياً بالوطنية رفضاً للاحتلال السوري والقمع والطغيان بكافة أدواته، فامتزج دم الحريري السني بدم فليحان المسيحي. رحل ابن زحلتا الشوفية، تاركاً وراءه يسمى زوجته، وولديهما رينا وريان.

باسل فليحان لم يكن الأول على طريق الجلجلة ولم يكن الأخير بل لحقه الكثير من الرفاق في ثورة الأرز، آخرهم الشهيد محمد شطح، رمز الاعتدال.

فيا رفيقي باسل، ورفاقي الشهداء، في الجمعة العظيمة هذه، لا يسعنا إلا التفكير بأن لبنان يعلّق كل يوم على الخشبة، فنحن مصلوبون بكل لحظة يصادر فيها قرارنا، ويمنع علينا ان نحلم بحياة آمنة ومستقبل زاهر لأولادنا، فصحيح ان السوري بأدواته العسكرية خرج لكن "ملائكته" او بالأحرة شياطينه حاضرين دائماً لزرع الفوضى، أضف إلى ذلك "حالش" او ما يسمى بـ"حزب الله"، ممثل السياسة الإيرانية بأذرعتها العسكرية الأمنية والاقتصادية والفكرية في لبنان، الذي يمارست سياسة القتل والترهيب ليتحكم بمفاصل الحكم في لبنان.

ولكننا أيضاً أبناء القيامة والرجاء، فنحن قوم لم نتعود الركوع يوماً إلا تحت الصليب، ولم نعرف الحزن ولم نذزف الدموع إلا في الجمعة العظيمة. وكما دفع المسيح الرب الثمن عنا على الصليب لتخليصنا جميعاً، ليعود وينتصر ويغلب الموت في اليوم الثالث، هكذا نحن سنقوم من كبوتنا ونعود وننتصر بالحق على الظلم، مهما كلّف الأمر من تضحيات جسام، ونضال مستمر على كافة أشكاله.

رفاقي الشهداء، قريري العين ناموا، فالله لم يتركنا يوماً وما وجود سمير جعجع ليقود هذه المعركة اليوم إلا خير دليل على ذلك، ونحن وإياه ما زلنا نخوض معارك الصمود لقيامة لبنان الحتميّة، وهي لا بد حاصلة. ومهما طال ليل الظلمة، فجر الحرية آتً، وكما تعوّدنا من تجارب الماضي البعيد والقريب، رغم كل الصعوبات والتحديات، مرة من جديد، ننهض وننتصر.
مساحة حرة APR 18, 2014
إستطلاع
مجلة آفاق الشباب
عدد استثنائي
إقرأ المزيد