السدود في لبنان: معالجة أزمة وازدهار إقتصادي
تحقيق JUL 19, 2012
بلد المياه يرزح تحت وطأة الشحّ. هذا ما يمكن وصف لبنان به في القرن الواحد والعشرين، إثر ما يعانيه من عدم توازن مائي وتخطيط غائب لكيفية توزيع المياه والإستفادة منها دون هدرها عشوائيًا.

ففي دراسة للدكتور " فادي جورج قمير" لمجلة الدفاع الوطني، شرح المعطيات المناخية في لبنان:

" إن المناخ اللبناني هو مناخ متوسّطي يتميّز بغزارة المتساقطات في فصل الشتاء (من كانون الثاني إلى نيسان) وبفترة جفاف تمتد على الأشهر المتبقية من السنة. يبلغ متوسّط المتساقطات 800 ملم تقريبًا وتتراوح بين 600 ملم و900 ملم على السواحل و1400 ملم في المرتفعات، تهبط إلى 400 ملم في شرقي البلاد وما دون 200 ملم في الشمال الشرقي. وتساهم على المنسوب 2000 م وما فوق في المحافظة على استمرارية تصريف الينابيع خلال فترة الجفاف وتزايد غزارتها خلال الفترة الممتدة من كانون الثاني إلى أيّار (75% من التصريف السنوي) ويتدنّى إلى 16% خلال حزيران/ تمّوز و9% خلال الأشهر الخمسة المتبقيّة من آب إلى كانون الأول. بيد أنها بدأت تشهد تغيرًا مع تدني نسبة المتساقطات بسبب تقلّص فترة الشتاء نظرًا إلى عامل الانحباس الحراري الذي يشهده، منذ فترة، حوض البحر الأبيض المتوسط.

لقد أصبحت مؤخرًا مسألة المياه في لبنان ذات أهمية كبرى نظرًا إلى محدودية لبنان من هذا المورد، ولكون فترة الجفاف تمتدّ على فترة تزيد عن سبعة أشهر في السنة، فقلة المياه وهدرها في البحر المتوسط هو أحد العناصر الأساسية في الحدّ من تطوّر البلاد ونموّها الاقتصادي. ويمكن تلخيص إجمالي المياه المتجدِّدة داخل الأراضي اللبنانية بحوإلى 2.7 مليار متر مكعب".

كما ان الإحصاءات الرسمية الأخيرة تحدِّد عدد السكان المقيمين في لبنان للعام 2005 بحوإلى 4.8 ملايين نسمة مع نسبة النمو السكاني السنوي التي تقدَّر بحوإلى 2.7%، فيما يقدَّر مجموع كمية الطلب على مياه الشرب والصناعة وفق المعايير المعتمدة من قبل وزارة الطاقة والمياه وتقارير البنك الدولي بـ 300 ليتر /نسمة/يوم. أما بالنسبة إلى الطلب على مياه الري فإن المساحة المروية  حتى العام 2008 هي 100.000 هكتار بحسب إحصاءات منظمة "الفاو" ووزارة الزراعة، بالإضافة إلى المساحة المتوقع ريّها حتى العام 2050 هي 280.000 هكتار.
 

لذلك فإن وزارة الطاقة والمياه قد حدّدت الحاجة إلى مياه الريّ بما فيه الهدر في شبكات الجر والتوزيع كالآتي:

10000 متر مكعب للهكتار في السنة للعام 2000

8000 متر مكعب للهكتار في السنة للعام 2015

6000 متر مكعب للهكتار في السنة للعام 2020


وإستنادًا إلى هذه المعطيات، عمدت الوزارة  إلى احتساب الميزان المائي في لبنان وإدارة  الطلب لسنة 2005 و2030 لمجمل القطاعات كالآتي:

العام 2005:

ري :  900 مليون متر مكعب

صناعة :  150 مليون متر مكعب

شفة :  501 مليون متر مكعب              

 المجموع :   1.55 مليار متر مكعب/سنة
 
العام 2030

ري  : 1800 مليون متر مكعب

صناعة : 293  مليون متر مكعب

شفة : 975 مليون متر مكعب

المجموع : 3.068 مليار متر مكعب/سنة

هذه الأرقام تنذر بخطورة الأمن المائي في لبنان تزامنا مع الأزمة المائية العالمية.

وعلى الرغم من تعدُّد مصادر المياه فيه، فإن الواقع العملي يظهر وجود عجز بالميزان المائي مردّه إلى هدر حوالى 1.2 مليار متر مكعب في السنة تهدر في البحر بالإضافة إلى أزمة متعدِّدة الجوانب، حيث يغلب الشحّ والتقنين طوال السنة، ما أدى إلى ازدياد الحاجات المائية (خاصة مياه الشرب والإستعمال المنزلي والري نتيجة التطور الاجتماعي الناجم عن تضاعف عدد السكان، وتبَدّل العادات والتقاليد الاجتماعية).

كما تعرَّضت مصادر المياه في لبنان لكل أنواع التلوُّث بسبب غياب شبكات الصرف الصحي عن مناطق وجودها. وفي حال تم تنفيذ البعض منها فإن انعدام أعمال صيانتها ومراقبتها بالإضافة إلى عدم ربطها بمحطات التكرير قبل رميها بالقرب من السواحل ومجاري الأنهار والآبار، يزيد من أسباب التلوث مع وجود المكبّـات العشوائية واستخدام الأسمدة والمبيدات ورمي الزيوت والمحروقات في طبقات المياه الجوفية والأنهار والبحر.

لذلك فالحاجة ماسة إلى بناء السدود على مختلف الأراضي اللبنانية لترشيد توزيع المياه والحد من هدرها.

فما هو واقع السدود حيال هذه المشكلة؟

السد هو إنشاء هندسي يقام فوق وادٍ أو منخفض بهدف حجز المياه أو الاحتفاظ بها، في حين أن الهياكل الأخرى مثل الخنادق تستخدم لمنع تدفق المياه إلى
مناطق محددة في الأرض، كما أن للسدود أهمية تتعدى موضوع المياه لتشمل فوائد وآثار زراعية واقتصادية وسياحية واستثمارية.

أهداف السدود في لبنان:

- تخزين الكميات الممكنة من مياه السيلان السطحي في فصل الغزارة وتقدّر بحوالي مليار متر مكعب في السنة نظرًا إلى الطبيعة الجغرافية والطوبوغرافية والجيولوجية اللبنانية، لاستخدامها في فترات الشحائح وبالتالي التخفيف من استعمال مخزون المياه الجوفية الذي يجب ان يبقى مخزونًا استراتيجيًا يستعمل في حالات الحاجة الاستثنائية فقط.

-زيادة نسبة تغذية الطبقات الجوفية من مياه السيلان السطحي.

-ترشيد استخدام مصادر المياه والتخفيف من كلفة الطاقة المستعملة في الضخ.

-اعتماد تقنيات الري الحديث مثل التنقيط أو الرش بغية ضبط الهدر وإيجاد وفر في كمية المياه المستعملة، واستعمال العدَّادات وقساطل في تنفيذ مشاريع الري.

-إعادة استعمال المياه المبتذلة بعد تكريرها (تكرير كيمائي) لأغراض الري.

-إدارة المياه بمفهوم الإدارة المتكاملة وإعادة تنظيم المؤسسات المائية وفق هذا المفهوم الجديد.

-إستعمال المياه بالتقنيات غير التقليدية في بعض المناطق اللبنانية، وذلك بتخزين الثلوج في المناطق الجبلية ودرس إمكان تحلية مياه البحر واستعمال الينابيع العذبة التي تنبع في بعض المناطق اللبنانية، من دون اللجوء إلى كلفة إضافية بالضخ.

-إيجاد مصادر للمشاريع العديدة المنفَّذة بكلفة باهظة من دون تأمين المصادر مسبقًا.

-اعتماد نظام معلوماتي لقياس كمية تصريف مياه الأنهر في لبنان والأحواض الجوفية.

- ضبط الفيضانات على المجاري المائية الرئيسة والتخفيف من الأضرار الناتجة عنها.
بالإضافة إلى أهمية توليد الطاقة الكهرمائية لمحطات عدة من خلال استعمال كمية المياه نفسها، وبالتالي سد العجز الكهربائي أيضًا.

فبحسب الدراسات التي أعدتها وزارة الطاقة والمياه تبين ان لبنان بحاجة ماسة الى انشاء السدود لسد العجز المائي الكبير الذي يصل الى حدود ال 425 مليون متر مكعب سنويا في الوقت الذي توفر الاجراءات المختلفة من إدارة المياه والبنى التحتية وتشييد الآبار والمضخات واستعمال المياه "المبتذلة" 300 مليون متر مكعب فقط.

إن عدم استغلال لبنان لمياهه المتجدِّدة يحرم اللبنانيين من هذا المورد الهام للتنمية الاقتصادية وتأمين الأمن الاجتماعي والغذائي بصورة مستدامة، هذا بالاضافة إلى الاطماع الاسرائيلية التي ترى ان مياه لبنان تهدر وتذهب إلى البحر الابيض المتوسط دون الانتفاع منها، لذلك عمدت الدولة إلى تنفيذ خطّة عشريّة لإنشاء السدود والبحيرات، وهذه الخطة هي ثمرة استقصاءات ودراسات عديدة تمّت خلال السنوات الخمسين الماضية حيث بدأت تظهر الحاجة إلى التخزين السطحي من أيام المهندس إبراهيم عبد العال.

وفي الخمسينيات من القرن الماضي قامت النقطة الرابعةPOINT IV الأمريكية بدراسات على مختلف الأنهر اللبنانية، وبتحديد مواقع لإقامة السدود عليها.
العام 1969 قامت بعثة منظمة الأغذية والزراعة "الفاو"بدراسة شاملة لجدوى إنشاء سدود في محافظة لبنان الشمالي في أقضية عكّار وطرابلس وزغرتا والكورة. كما قامت بتمويل عدة دراسات منها المساعدة في دراسة جدوى إنشاء سدود لتموين العاصمة بمياه الشفة ودراسة إمكان انشاء بحيرات في العديد من المناطق اللبنانية بواسطة مكاتب خبرة عالمية.

أحدث هذه الدراسات ما أعدّته الشركة الفرنسيةLyonnaise des Eauxعام 1995 والتي بيّنت حاجة لبنان الملّحة إلى اتباع سياسة مستقبلية ناشطة في بناء السدود لسدّ العجز المتزايد في ميزانه المائي.

على ضوء هذه الدراسات والاستقصاءات، ونظرًا إلى الحاجة المتزايدة يوماً بعد يوم، قامت المديرية العامة للموارد المائية والكهربائية في وزارة الطاقة والمياه بوضع خطة عشرية للمشاريع المائية ولا سيما مشاريع السدود والبحيرات وذلك لسد ما أمكن من الحاجات المائية في جميع القطاعات. إنها المرة الأولى التي يتمّ فيها وضع خطة متكاملة ومبرمجة وشاملة للمشاريع المائية على الأراضي اللبنانية كافة وفق الحاجة والإمكانية الفنية.

السدود:

أولاً:سد شبروح- فاريا

يتصدَّر مشاريع الخطة العشرية التي أعدتها المديرية العامة للموارد المائية والكهربائية. وتم تدشينه في 3 تشرين الأول 2007.
ويقع السد على مجرى وادي شبروح في قضاء كسروان في أعالي منطقة فاريا على بعد 40 كلم من شمال شرق مدينة بيروت العاصمة و5 كلم شمال شرق بلدة فاريا. وتم اختياره في منطقة خالية من الفوالق العاملة وواضحة المعالم من جهة تتابع طبقاتها الجيولوجية التي تؤمن للسد أساسات ثابتة وللبحيرة الضمان المناسب لحفظ المياه.

ويهدف مشروع شبروح وملحقاته إلى تأمين تخزين 8 ملايين متر مكعب سنوياً لسد العجز الحاصل في ميزان مياه الشفة والري وإلى تغذية مناطق قضاء كسروان، بالجاذبية، بكمية 60 ألف متر مكعب يوميًا من مياه الشفة خلال أشهر الشحائح مع تحويل، ولمدة محددة، كمية 12000 ألف متر مكعب من هذه المياه لمنطقة المتن. هو يساهم في الإدارة الشاملة للموارد المائية في مناطق كسروان وجبيل وضواحي بيروت.

مواصفات المشروع الفنية: يتألف سد شبروح وملحقاته من ثلاثة أقسام:

أ-السد مع بحيرة بسعة ثمانية ملايين متر مكعب.

ب- منشأة تحويل المياه من نبع اللبن حتى السد لتأمين تغذية البحيرة بمعدل 1.5 متر مكعب في الثانية.

ج- محطة التكرير – تكرير مياه الشفة بقدرة 60.000 متر مكعب في اليوم
من هنا يعتبر سد شبروح وملحقاته من أهم السدود المنفذة من حيث الاثر البيئي. ويؤمن بالجاذبية كامل العجز في احتياجات مياه الشفة لمنطقة كسروان الفتوح والمتن حتى العام 2025. يوقف الضخ وأكلافه ويوفر الطاقة. ويحفظ مخزون الطبقة الجوفية كاحتياط استراتيجي في المستقبل. معه يبدأ إيقاف الإدعاء بأن مياهنا تذهب هدرًا إلى البحر.

ثانياً: سد اليمونة

تم تدشين مشروع سد وبحيرة اليمونة في قضاء بعلبك برعاية وحضور فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال سليمان حيث وضع حجر الأساس لبدء التنفيذ في 14/11/2009. وهو يشكل جزءًا من الخطة العشرية للسدود والبحيرات الجبلية لوزارة الطاقة والمياه – المديرية العامة للموارد المائية والكهربائية.
يهدف المشروع إلى ترشيد استثمار الموارد المائية السطحية وتغذية المياه الجوفية وبالتالي يدعم مشاريع الري في قضاء بعلبك وينمِّي السياحة في المنطقة ويؤمن مياه الشفة النظيفة مباشرة من الينابيع

يقع مشروع سد وبحيرة اليمونة في منبسط اليمونة على إرتفاع 1370 م عن سطح البحر شمال غرب مدينة بعلبك على مسافة 22 كلم منها تقريبًا. تتفجَّر في بلدة اليمونة عشرات الينابيع، وأهمها نبع الأربعين، والتي يصل تصريفها خلال الفيضان السنوي إلى ما يقارب ما بين 12 و15 م3/ثانية، ما يؤدي إلى تشَكل مسطح مائي تقارب مساحته خمسين هكتارًا ويغمر سهل اليمونة المنخفض حتى مستوى الينابيع حيث تأخذ المياه بالانخفاض بسبب تسربها خلال فصل الغزارة، في مهارب المياه الجوفية (البـواليع) ليصبح المسطح المائي في نهاية الصيف قليل الامتداد.

إن غاية الأشغال هي إقامة سد وبحيرة على معظم مساحة البحيرة المعروفة قديماً بـ "بحيرة اليمونة" قبل إنشاء النفق وذلك بتخزين المياه خلف سد مؤلف من الصلصال الناتج عن الحفريات في موقع البحيرة مع منشآت ملحقة للمأخذ وتفريغ القعر وتصريف الفيض. كما تهدف إقامة هذه البحيرة إلى تأمين مياه نظيفة تتدفق مباشرة من الينابيع لاستعمالات مياه الشرب بكمية تقدر بـ 10.000 م3/يوميًا،بالإضافة إلى تنظيم ودعم مشاريع الري في سهل بعلبك – اليمونة الذي يتغذَّى من ينابيع اليمونة وذلك بتأمين كمية إضافية من المياه.

كما تشكل البحيرة خزان توازن لعمليات الري الليلية والنهارية بالإضافة إلى إنماء منطقة اليمونة سياحيًا عبر إتاحة المجال لممارسة رياضة القوارب وتنظيم محيط البحيرة وتقسيمه مستقبليًا إلى مناطق لإقامة النشاطات السياحية والشبابية مثل المطاعم والملاعب وغيرها.

إذًا، السدود هي الحل الأول والأساسي للبنان علي الصعيدين المائي والكهربائي، وما على الدولة سوى تأمين الموازنة المحقة والضرورية لتنفيذ المشاريع عاجلاً والإستفادة من الثروة الطبيعية لتطوير المواطن اللبناني، وتأمين الطاقة دون صرف المبالغ عشوائيا لإستيراد الكهرباء من هنا وهناك، وهذه السدود لا تؤمّن للبنان المياه فقط ولا الطاقة ربما، إنما تعطي هذا البلد الصغير قوة إقتصادية كبيرة وتضعه في مصاف الدول المؤثّرة إقليميا وتجعل منه مصدّرًا مهمًا للماء والكهرباء، والأهم من ذلك كله تعطيه استقلالا إقتصاديا فلا يعود مرتهنًا للدول لقاء حاجته التي هو بغنى عنها.

فلنحافظ على نفطنا المائي ونعمل على عدم تلويثه أو هدره فنكون ولبنان بألف خير.


 
 
تحقيق JUL 19, 2012
إستطلاع
مجلة آفاق الشباب
عدد استثنائي
إقرأ المزيد