بيار بولس
MAY 01, 2004

بيار بولس: دكتوراه في التضحية

في اليوم الثامن والثلاثون بعد الموت، جاء الخبر الذي كان ينتظره بفارغ الصبر. بيار نجح في امتحانات الدراسات العليا MBAاختصاص ادارة الأعمال التي كان يحضر لها في جامعة القديس يوسف بالإشتراك مع جامعة السوربون.

لو كان بيار الطامح لنيل الدكتوراه حياً لطار من الفرح، لقبل امه واباه وكل من صادفه في طريقه، لكان جلب لقاتله هدية، كيف لا وهو الذي كان قد طلب قبل استشهاده بفترة وبدافع من تربيته المسيحية من صاحب الموقف الذي يركن فيه سيارته ان لا يطرد الشخص الذي قتله لاحقاً من العمل بعدما ظهر انه كان يسرق البنزين من سيارته.

فبيار كان محباً لأقصى الحدود ولم يكن يريد الشر لأحد. ادار الخد الأيسر للقاتل مثلما علمنا المسيح عله يتعظ من ذلك ويخجل، فما كان من المجرم الا ان صفعه بكل ما فيه من حقد وكراهية للبنان وللقوات اللبنانية فسقط بيار شهيداً بسيناريو اغتيال شبيه لسيناريو جريمة اغتيال الشهيد رمزي عيراني من حيث الخاتمة.

بيار وحيد اهله على فتاتين. كان يعمل بوظيفة مدير مبيعات في شركة فاراميد، عصامي من الدرجة الأولى، بنى نفسه بنفسه، وكان ينوي الزواج بعد اشهر قليلة من تاريخ وقوع الجريمة. يعشق القضية وينتظر بشوق خروج الحكيم من المعتقل وكان كلما سألته امه: "لم لا تحلق ذقنك يا بني"؟ اجابها مع ابتسامة: "بكرا لما بيطلع الحكيم بحلق دقني".

قواتياً، شغل بيارو لفترة منصب رئيس مصلحة الطلاب، اي رأس حربة تلك الأيام في مقاومة الإحتلال. دينياً، كان ملتزماً بإيمانه المسيحي دون تعقيد ويتخذ من القديس شربل شفيعاً ويحاول ان يحتذي به، لذا كان طبيعياً ان ينشط في "عيلة شربل" التي كانت تجتمع للصلاة دورياً كل نهار جمعة.
ليلة الجمعة 1 ايار 2004 لم يكن مقدراً لها ان تكون ليلة مشؤومة، بل ليلة صلاة وايمان ومغفرة ومحبة. فهي بداية الشهر المريمي، وموعد اجتماع صلاة عيلة مار شربل.

آه كم هي جميلة الحياة مع الله، وكم هو ممتع ان يشعر الإنسان ان هناك اب في السماء راض عنه. هكذا كان يفكر بيار في طريق عودته من الصلاة الى منزله العائلي في الجميزة، وكان الوقت يقترب من منتصف الليل.

في المنزل، امه تغفو وتستفيق، فهي عادة لا تستسلم لنعاسها الا عندما تسمع صوت مفاتيح بيارو وهي تقرقع في باب البيت. عند الثانية تقريباً اضاءت الأم نور الغرفة لشعورها ان ولدها قد تأخر، نظرت الى الساعة فتيقنت انه تأخر عن موعد مجيئه الإعتيادي. تراه اين يكون؟ اتصلت به هاتفياً ولكن الخط مقفل. ما العمل؟ اتصل الأهل ثانية لكن هذه المرة برفيقته في عيلة شربل التي اجابتهم ان بيار اوصلها واقفل عائداً الى منزله، والمفترض انه في البيت منذ اكثر من ساعة.

التهب قلب الأم ولن يبرد بعد هذه اللحظة. طانيوس الأب القلق بادر بعد ان زادت مخاوفه الى النزول من البيت ليرى ان كانت سيارة وحيده في المرآب. عاد بعد دقائق الى البيت وقال لزوجته، السيارة في المرآب. ولكن اين بيار؟ الزوجة المخنوقة تبصر مشهد رمزي عبراني امامها فجأة وتصرخ خائفة في زوجها: "فتش في الصندوق" ومن ثم تهرول مسرعة مع زوجها على السلالم.

امام الصندوق توقف الزوجان والألم يمزقهما كأنهما عرفا بالمأساة قبل ان يشاهداها. سريعاً فتحا الصندوق فصعقهما المشهد. بيار ملفوف بحرام من الصوف والدماء تغطي رأسه واجزاء من دماغه منثورة الى جانبه. حضنته الأم وكان جسده لم يزل ساخناً وصرخت:"بيار"، وانتظرت ان يرد عليها فلم تلق الا الصمت جواباً،ً فالكلام هو لغة الدهر الحالي اما الصمت فلغة الدهر الآتي.

انقلبت حياة العائلة الفخورة بوحيدها الى جحيم، فهل هناك اصعب من ان يكتشف الأهل جثة ولدهم. صار قبر بيار مزار تحج اليه امه كل يوم، تضيء له الشموع والبخور وتتلو صلاة المسبحة. تطرق على باب القبر وتقول" قوم فتحلي يا امي، شتقتلك". والأب المفجوع يجلس في غرفته طوال النهار، ويرفض رؤية احد او حتى الجلوس مع الزوار، مفضلاً الحديث مع صورة وحيده...

ولأن السوريين العاملين في الموقف لم يعثر لهم على اثر، كان من الطبيعي ان يشك بأمرهم وقد توصلت التحقيقات سريعاً الى ادانتهم فأصدرت محكمة الجنايات في بيروت برئاسة القاضي ميشال ابو عراج، وعضوية القاضيين فارس الياس وغادة ابو كروم ، حكماً غيابياً قضى بإنزال عقوبة الاعدام في حق المتهمين السوريين الشقيقين احمد محمد المصري وعبد القادر محمد المصري وانزال عقوبة الاشغال الشاقة المؤبدة بالمتهم محمود عبد القادر المصري، لاقدامهم على قتل بيار بولس بدافع السرقة.

اذا كانت الجريمة حقاً بدافع السرقة فلم صدر الحكم غيابياً ولم تستعيدهم الدولة اللبنانية بشخص المدعي العام التمييزي عدنان عضوم في وقتها من سوريا التي ادعت انها القت القبض عليهم لينفذوا العقوبة في المكان الذي ارتكب فيه الجرم خصوصاً ان القوانين السورية واللبنانية تجمع على ذلك، وهناك سوريون كثر يقضون عقوبات جنائية في لبنان؟

ان عدم تحرك النيابة العامة لاستعادة الجناة الى لبنان في ظل القوانين المرعية هو ابلغ دليل على ان الجريمة سياسية بامتياز وانها اتت استمراراً لإغتيال رمزي عيراني في المسلسل الذي استهدف قيادات طالبية قواتية اعادت بث روح مقاومة الإحتلال في مجتمع احبطه طول الإنتظار.
خرج سمير جعجع من المعتقل، لكن بيار خرج ايضاً من هذا العالم ولم يستطع حلاقة ذقنه احتفاء بخروج الحكيم.


المصدر: الموقع الرسمي للقوات اللبنانية 

 

إستطلاع
مجلة آفاق الشباب
عدد استثنائي